صفحة 210
تفسير رسالة غلاطية
رابعاً: الناموس لم ينسخ عهد إبراهيم (غل ٣: ١٥ - ١٨):
أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ أَقُولُ لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْدًا قَدْ تَمَكَّنَ وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ وَفِي الأَنْسَالِ كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ وَفِي نَسْلِكَ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ. وَإِنَّمَا أَقُولُ هَذَا إِنَّ النَّامُوسَ الَّذِي صَارَ بَعْدَ أَرْبَعِمِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً لاَ يَنْسَخُ عَهْدًا قَدْ سَبَقَ فَتَمَكَّنَ مِنَ اللَّهِ نَحْوَ الْمَسِيحِ حَتَّى يُبْطِلَ الْمَوْعِدَ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْوِرَاثَةُ مِنَ النَّامُوسِ فَلَمْ تَكُنْ أَيْضًا مِنْ مَوْعِدٍ. وَلَكِنَّ اللَّهَ وَهَبَهَا لإِبْرَاهِيمَ بِمَوْعِدٍ (غل ٣: ١٥ - ١٨).
قد يقول البعض أن الناموس جب وألغى وأسقط وعد الله لإبراهيم بأن في نسله تتبارك قبائل الأرض، ولكن من يدرك الأمور بدقة يعلم أن هذا الزعم هو تجني على الحقيقة، لأن مواعيد الله بلا ندامة، والله لا يغير وعوده، وليس في الكتاب المقدس كله فكرة الناسخ والمنسوخ، ولذلك يحدثنا بولس الرسول في هذه الفقرة عن الميراث الذي وعد به الله إبراهيم ونسله، مؤكداً أن هذا الوعد أو العهد قد تمكن بواسطة الله ذاته، فالوعد صادق وأمين وثابت وراسخ، ويؤكد بولس الرسول أن الناموس الذي جاء بعد هذا الوعد الإلهي لإبراهيم بأربعمائة وثلاثين سنة لم يلغ ولم يغير ولم يبدل هذا الوعد، وأعطى بولس الرسول مثلاً من الحياة العملية، كما كان الرب يسوع يكلم الناس بأمثال ليشرح لهم تعاليمه ومقاصده وأسراره الإلهية، فقال لهم متى كان هناك عهداً بين إنسان وآخر، وهذا العهد استكمل شكله القانوني أي تمكن واستقر، فإنه لا يستطيع أحد أن يبطل هذا التعهد أو يزيد عليه أو يحذف منه، ولذلك تكررت كلمة "العهد" أو "الوعد" في هذه الآيات الأربع ست مرات، وجميعها تشير لوعد الله لإبراهيم من خلال نسله أي المسيح تتبارك جميع الأمم.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ أَقُولُ لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْدًا قَدْ تَمَكَّنَ وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ (غل ٣: ١٥).
أَيُّهَا الإِخْوَةُ .. تارة يقول لهم بولس الرسول "أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ" واصفاً إياهم بالغباء، وتارة يدعوهم بالإخوة "أَيُّهَا الإِخْوَةُ" .. فكيف يتفق هذا مع ذاك؟!.. عندما احتج عليهم بولس الرسول ووصفهم بالغباء لم يقصد أن يشتمهم أو يسبهم أو يقذفهم، إنما قصد