انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com

— ۲۱۱ —

الأصحاح الثالث

الغَباء الروحي الذي سقطوا فيه بغواية المعلمين الكذبة، فهو كان يُقرّر حقيقة واقعة، وهنا يدعوهم بالإخوة، فهو كأب حكيم تجده تارةً يبكتهم ويؤنبهم وتارةً يشجعهم، تارةً يحدثهم بلهجة صارمة قاسية ليحذر من الخطر الذي يحيق بهم، وتارةً يحدثهم بلهجة هادئة تفيض بالمحبة والإخاء لأنه يريد أن يجتذبهم من ضلالهم، وهكذا تقترن هذه اللهجة القاسية باللهجة الرقيقة، لأن مصدرها واحد، والدافع إليهما واحد.

بِحَسَبِ الإِنْسَانِ أَقُولُ .. في سبيل الدفاع عن الإيمان المستقيم بطرق بولس الرسول جميع الأبواب، لكيما يُدرك الغلاطيون الحقيقة، ويميزوا بين الحق والضلال، بين أب محب يتمخض بهم إلى أن يتصوّر المسيح فيهم، وبين معلمين كذبة يفتخرون بأنهم استطاعوا أن يدفعونهم للختان، فيناقش معهم الموضوع بحسب الإنسان، أي من وجهة نظر إنسانية بشرية، ويطرح عليهم مثلاً من الحياة العملية، فيقول لهم لو وافقتموني القول من وجهة نظر العقل والمنطق البشري، وكان هذا العهد أو هذا التعاقد قطع بين إنسان وآخر، واتفق عليه الاثنان تماماً، واتخذ شكله القانوني، فهل يستطيع أحد أن يغيره أو يبدله؟! .. كلاً، وهكذا يستخدم بولس الرسول هذا التشبيه القانوني الأرضي ليفهم أولاده قصده.

ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "بِحَسَبِ الإِنْسَانِ أي مستخدماً تشبيهات بشرية، فبعد أن أثبت سلامة تعليمه من الكتاب، ثم المعجزات، ثم آلام المسيح فيهم، ثم إبراهيم، بدأ يستخدم تشبيهات عامة لتظهر مناقشته سهلة ومعتدلة حتى للبسطاء .. والمقصود بهذا التشبيه أن الإيمان أسبق من الناموس، ولو أن إنساناً أقام عهداً هل يجرؤ آخر أن ينقصه أو يبطله أو يزيد عليه؟ فكم بالحري ذلك الذي قطعه الله مع إبراهيم؟!"(1).

لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْداً قَدْ تَمَكَّنَ وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ .. كلمة "عهد" في الأصل اليوناني تحمل معنى "عهد" أو "وعد" أو "وصية" أو "موعِد" و "عَهْداً قَدْ تَمَكَّنَ" أي عهد قد استكمل شكله القانوني واستوفى شروطه، وطبقاً للقواعد القانونية التي كانت سائدة حينذاك في القرن الأول الميلادي، متى كتب الموصي وصيته واكتملت أركانها القانونية، أي استقرت وتوثقت وتمكنت فلا يستطيع أحد ولا حتى الموصي أن يغير فيها شيئاً أو يلغيها.

(1) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٣٥