انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com
۲۱۲

تفسير رسالة غلاطية

وكان قطع العهد قديماً بين شخصين يكتمل بذبيحة حيوانية تُشق نصفين، ويجتاز طرفا العهد بين شقي الذبيحة، والأمر العجيب أنه عندما قطع الله مع إبراهيم عهداً، تنازل الله واستخدم نفس الطريقة (تك ١٥: ١٢ - ٢٠) وإن كان العهد المقام بين شخصين بهذه الطريقة المتعارف عليها لا يُنقض، فما بالك بعهد قطعه الله مع إبراهيم أب الآباء ورجل الإيمان .. مَنْ يقدر أن ينسخه أو يزيد عليه أو يُنقص منه؟!

لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْداً قَدْ تَمَكَّنَ وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ .. فمثلاً قد منع الناموس الإنسان من أن يغير تخومه أي حدود ميراثه، فلا يستطيع أن يزيد عليه من أرض الجار، ولا يستطيع أن يُنقص منه لحساب الجار، فتخوم الميراث لا تتغير، وربما يتمسك بها الإنسان أكثر من تمسكه بالحياة .. هذا ما فعله نابوت اليزراعيلي الذي وقف في وجه آخاب الملك رافضاً أن يتنازل عن ميراث آبائه بحسبما أوصاه الناموس. وقد صار العهد من قبل بين الله وإبراهيم وتمسك به إبراهيم بإيمان كامل حتى نهاية حياته: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبَا لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ. أَمَامَ اللَّهِ الَّذِي آمَنَ بِهِ. الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى وَيَدْعُو الْأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ" (رو ٤: ١٧)، ويقول "الْأَبُ مَتَى الْمِسْكِينُ": "واضح هنا أن عهد الله لإبراهيم يقوم أساساً على وراثة البشرية لبركة إبراهيم وبره إنما بشرط الإيمان إن هم آمنوا بالله كما آمن إبراهيم فحسب له براً"(1).

لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْداً قَدْ تَمَكَّنَ وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ .. في الرسالة للعبرانيين شرح بولس الرسول نفاذ العهد أو الوصية بعد موت الموصي، فقال: "لِأَنَّهُ حَيْثُ تُوجَدُ وَصِيَّةٌ يَلْزَمُ بَيَانُ مَوْتِ الْمُوصِي. لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَوْتَى إِذْ لَا قُوَّةَ لَهَا الْبَتَّةَ مَا دَامَ الْمُوصِي حَيّاً" (عب ٩: ١٦، ١٧)، فمثلاً لو أوصى أحد الأغنياء بميراثه أو بجزء منه لشخص عزيز لديه بعد وفاته، فطالما الموصي على قيد الحياة فلا يستطيع الموصى له أن يتمتع بهذا الميراث، ولكن تصير الوصية واجبة النفاذ وسارية المفعول بتحقق شرط الوفاة، فعند وفاة الموصي يحق للموصى له أن يتسلم ما أوصى به هذا الموصي .. فإن كان هذا هو الحال بعهد أرضي، فما بالك بالعهد السمائي؟!! .. كم يكون مستقراً ثابتاً استقرار السماء عينها؟! ولا يمكن للشريعة التي جاءت بعد ذلك العهد أن تلغيه.

(1) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ۲۲۰