صفحة 214
٢١٤
تفسير رسالة غلاطية
لاَ يَقُولُ وَفِي الأَنْسَالِ كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ .. كان لإبراهيم ابنان هما إسماعيل من هاجر الجارية، وإسحق من زوجته سارة، وبعد موت سارة تزوج إبراهيم بقطورة "فَوَلَدَتْ لَهُ زِمْرَانَ وَيَقْشَانَ وَمَدَانَ وَمِدْيَانَ وَيِشْبَاقَ وَشُوحًا" (تك ٢٥ : ٢) ستة أبناء، وبذلك يكون إبراهيم قد أنجب ثمانية بنين، ولكن الوعد تركز في واحد وهو إسحق دون بقية إخوته: "بَلْ بِإِسْحَقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ" (رو ٩ : ٧)، والأمر العجيب أن إسحق كان رمزاً للنسل الموعود أي السيد المسيح، فإسحق وُلد بطريقة معجزية بعد تقدم العمر بإبراهيم وعقورية سارة ومماتية مستودعها (رو ٤ : ١٩ ، عب ١١ : ١١)، وهو الابن الوحيد الحبيب لإبراهيم (تك ٢٢ : ٢)، وقُدِّم ذبيحة محرقة (تك ٢٢ : ٢)، وحمل حطب المحرقة (تك ٢٢ : ٦) وعاد إسحق حياً (تك ٢٢ : ١٢)، وصار نسله كنجوم السماء ورمل البحر: "وَلَدَ أَيْضاً مِنْ وَاحِدٍ وَذَلِكَ مِنْ مُمَاتٍ مِثْلِ نُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ" (عب ١١ : ١٢) .. بمثل أوجه الشبه هذه وغيرها كان إسحق رمزاً للسيد المسيح. ثم تركز الوعد في يعقوب دون عيسو، ثم في يهوذا دون بقية إخوته.
وهنا نلاحظ كيف يلقي بولس الضوء على كلمة الوحي الإلهي: "نَسْلُكَ" (غل ٢٢ : ١٨) ويشير إلى أنها جاءت في صيغة المفرد (نَسْلِكَ) ولم تأت في صيغة الجمع (الأَنْسَالِ). إذا القصد من النسل ليس الجماهير العديدة المتناسلة من إبراهيم، بل هو شخص واحد وحيد بعينه دون سواه، وهو السيد المسيح له المجد، فهو غاية أحداث التاريخ، وبذلك يكون بولس الرسول قد سلَّم أولاده في غلاطية مفتاحاً جديداً هم في أشد الاحتياج إليه، وهو أن بركة إبراهيم ستصير لهم عن طريق الإيمان بالسيد المسيح وكفاية دمه لخلاص جميع الأمم.
وَفِي نَسْلِكَ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ
.. قديماً أعطى الله الوعد لأمنا حواء بأن نسل المرأة يسحق رأس الحية عندما قال لها: "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ" (تك ٣ : ١٥). ثم أعطى الرب المواعيد لإبراهيم بأن في نسله تتبارك جميع الأمم، فمن هو نسل حواء وإبراهيم الذي سحق رأس الشيطان ويهب الحياة والبركة للذين يحبونه، سوى ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح؟!
وَفِي نَسْلِكَ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ
.. والمقصود بالمسيح هنا ليس شخصه المبارك فقط، بل وكل الأعضاء المقدَّسين المتحدين به، وهذا ما أوضحه القديس بولس عندما قال: "لأَنَّهُ كَمَا