صفحة 231
الأصحاح الثالث
استفانوس عن موسى النبي: "هذا هو الذي كان في الكنيسة في البرية مع الملاك الذي كان يكلمه في جبل سيناء ومع آبائنا. الذي قبل أقوالاً حية ليعطينا إياها" (أع ٧: ٣٨) .. تأمل في مدى ترابط الأسفار المقدسة معاً.
وموسى النبي كوسيط يعتبر رمزاً للسيد المسيح الوسيط الوحيد بين الله والإنسان: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح" (١تي ٢: ٥)، الذي قال عن نفسه: "أنا هو الطريق .. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يو ١٤: ٦).
وَأَمَّا الْوَسِيطُ فَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ ..
لوجود وسيط يستلزم ذلك وجود طرفان وليس طرف واحد، فلو أن التصرف قاصر على شخص واحد، وأن الأمر يقضي بالإرادة المنفردة فإنه لا يحتاج إلى وسيط، لأن الوسيط لا بد أن يكون بين طرفين، وعندما أعطى الله شعبه الناموس، كان الطرفان هما الله والشعب، وقام موسى بدور الوسيط، وقد اختير للقيام بهذه المهمة من قبل الله وأيضاً من قبل الشعب، ويظل الناموس سارياً طالما كل طرف ينفذ التزاماته، فمن جهة الله فقد أوفى بالتزاماته وأكثر، أما من جهة الإنسان فقد فشل في الالتزام بهذا التعاقد أي بمطالب الناموس، فأصبح الناموس دينونة للإنسان. بينما الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم فقد أعطي من طرف واحد دون الحاجة إلى وسيط، والله هو الملتزم بهذا الوعد بدون أدنى التزام على الإنسان، فالإنسان ليس له أي دور في مجيء النسل الموعود به الذي به تتبارك أمم الأرض، أي السيد المسيح، وهذا الوعد غير مشروط، فهو لم يمثل اتفاق وتعاقد، بل هو هبة مجانية من الله، هو الذي أعطى الوعد وهو الذي أعطى الناموس، ولا تعارض بين هذا وذاك لأن الله "أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلَا ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع ١: ١٧).
وَأَمَّا الْوَسِيطُ فَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ. وَلَكِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ ..
هذه الآية عسرة الفهم حتى أنها فسرت بطرق عديدة (راجع دكتور وليم آدي - الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ ٧ ص ٤٥) ويقول "الأب متى المسكين": "هذه عقدة العقد في الكتاب المقدس، وقد عدد أحد العلماء ثلاثة مئة حل لها!! تقدم بها كل العلماء الذين تعرضوا لشرح هذه الآية"(١). ولكن
(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٢٣٦