صفحة 232
٢٣٢
تفسير رسالة غلاطية
لا يجب أن يغيب عن أعيننا أن بولس الرسول يحاول بكل طريقة وطريقة أن يشرح لنا أن الطريق لله هو الإيمان بالوعد الإلهي وليس الناموس، ليس بسبب عيب في الناموس، ولكن بسبب ضعف الإنسان وعجزه عن تنفيذ جميع وصايا الناموس بلا استثناء، ومع أن استلام الناموس كان يعتبر حدثاً عظيماً وعجيباً في حياة بني إسرائيل، وكان الأمر رهيباً ومرعباً لهم، لكن مع كل هذا فإن الناموس لم يرتقي لمستوى الوعد، وقد جاء الناموس لفترة مؤقتة لحين تجسد ابن الله. أما الوعد فهو ثابت لا يتغير، وقد أعطي الناموس عن طريق وسيط، بينما الوعد لم يحتاج إلى وسيط، وأيضاً لأن الناموس يدين ولا يبرر، ويميت ولا يحيي: "الناموس لم يعطَ مباشرة من الله. لقد جاء الناموس من الله، ولكنه أعطي بواسطة ملائكة إلى موسى ثم إلى الإنسان. عمل موسى كوسيط بين الله والإنسان في إعطاء الناموس. لذلك أتى الناموس إلى الإنسان كشيء غير أولي. ولكن ليس الحال هكذا بالنسبة لوعد الله، فالله نفسه أعطى وعد النعمة والبر .. تسلم إبراهيم وعد الله مباشرة من الله. لذلك فإن وعد الله من المحتم أن يكون أسمى من الناموس، لأنه تضمن المزيد من العلاقة الشخصية مع الله.
إن الناموس بين طرفين - الإنسان والله - في عهد الناموس، فإن الإنسان والله كان على كل منهما مسئوليات أو عمل يُؤدَّى. كان على الإنسان أن يحفظ الناموس، وإذا فعل ذلك فإن الله يتخذ رد الفعل ويكافئه بمنحه هبة البر وكانت هبة البر مشروطة تحت الناموس.
لكن وعد البر أو النعمة قد أعطي من الله وحده. لا أحد يمكنه أن ينتهك ذلك الوعد.
إذا آمن الإنسان (إبراهيم) ببساطة بوعد الله، فنال وعد البر والنعمة"(1).
ويقول "وليم باركلي": "فرأى بولس أن ضعف الناموس يكمن في اعتماده على شخصين، فهو لا يعتمد على مُعطي الشريعة فقط ولكنه يعتمد أيضاً على حافظ الإنسان عليها، ونحن نعلم أنه قد حطمها. أما النعمة فهي من الله، ولا يستطيع الإنسان أن يمنعها مهما فعل"(٢).
(1) الأفكار الرئيسية للمواضيع الكتابية ج ٩ - الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٤٩
(٢) تفسير العهد الجديد - رسالة غلاطية وأفسس ص ٥٣