صفحة 235
— ٢٣٥ —
الأصحاح الثالث
فعندما يكشف الناموس للإنسان فساد طبيعته وبشاعة خطيئته دون أن يقدم له الشفاء يشعر بمدى احتياجه الشديد للمخلص، فيلقي بنفسه في أحضان النعمة الإلهية: "لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ. فَاللَّهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ" (رو ٨: ٣)، فالناموس يشخص المرض ويدفع بنا إلى الطبيب الشافي الرب يسوع، وكان بولس الرسول يرسم خطين متوازيين وليس خطين متعارضين ولا متضادين:
الخط الأول:
هو عهد الله مع إبراهيم، بأن بنسله تتبارك الأمم ويكون لها الحق في الميراث الأبدي ما دام لهم إيمان إبراهيم، وكذلك اليهود الذين هم أبناء إبراهيم بشرط أن يكون لهم إيمان إبراهيم.
الخط الثاني:
هو الناموس الذي أُعطي بصفة مؤقتة بسبب زيادة تعديات الإنسان وكثرة خطاياه وآثامه وفساد طبيعته، ليدرك الإنسان مدى جرمه وإجرامه فيسعى بحثاً عن الفادي. لَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ .. وهل الناموس ليس به بر؟! .. وكيف يتفق هذا مع القول الإلهي: "فَتَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِيَ الَّتِي إِذَا فَعَلَهَا الإِنْسَانُ يَحْيَا بِهَا" (لا ١٨: ٥) وقول الله على لسان حزقيال النبي: "وَأَعْطَيْتُهُمْ فَرَائِضِي وَعَرَّفْتُهُمْ أَحْكَامِيَ الَّتِي إِنْ عَمِلَهَا إِنْسَانٌ يَحْيَا بِهَا" (حز ٢٠: ١١)؟! .. الحقيقة أن الناموس كامل "إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ" (رو ٧: ١٢) والإنسان إذا فعلها يحيا بها، ولكن الإنسان هو الذي عجز عن إيفاء مطالب الناموس وتنفيذ وصاياه وأحكامه وفرائضه بالكامل وبلا استثناء، فسرى عليه قول القديس يعقوب: "لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ" (يع ٢: ١٠).
لَكِنَّ الْكِتَابَ أَغْلَقَ عَلَى الْكُلِّ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ .. "لَكِنَّ" أداة استدراك تعبر عن انتقال
بولس الرسول من فكرة إلى فكرة أخرى على النقيض، فينتقل من فكرة تبرير الإنسان عن طريق الناموس، إلى فكرة أن الكتاب (الناموس) أغلق على الكل تحت الخطية، وقد سبق
بولس الرسول واستخدم كلمة الكتاب في نفس الإصحاح، عندما صوره على أنه يرى ويبشر، فقال: "وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى سَبَقَ فَبَشَّرَ" (غل ٣: ٨)، وكان يقصد صاحب الكتاب أو رب الكتاب، وهنا يصور الكتاب كقاض عادل يجلس على منصة القضاء ويحكم على