صفحة 236
تفسير رسالة غلاطية
الجميع بموجب وصاياه وأحكامه من خلال أسفاره المقدسة وللأسف الشديد لا ينجو إنسان واحد من دينونته، بل أغلق على الجميع تحت الخطية: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ" (غل ٣: ١٠).
لَكِنَّ الْكِتَابَ أَغْلَقَ عَلَى الْكُلِّ .. لأنه بالحقيقة: "الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعاً فَسَدُوا لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز ١٤: ٣)، وقال داود النبي: "وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ" (مز ١٤٣: ٢)، فالخطية كانت تتربص بالإنسان حتى تقتنص روحه وتغلق عليه في سجن الناموس، وذلك بحكم الناموس العادل، فلا يستطيع الإنسان منها فكاكاً، وهذا ما عبر عنه بولس الرسول مراراً وتكراراً: "لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ" (رو ٣: ٩) .. "لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللَّهِ" (رو ٣: ١٩) .. "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللَّهِ" (رو ٣: ٢٣).
لَكِنَّ الْكِتَابَ أَغْلَقَ عَلَى الْكُلِّ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ .. وليس معنى هذا أن الكتاب أي الناموس هو السبب في سقوط الإنسان في الخطية، ولكن الإنسان هو الذي أخطأ بإرادته فصار مداناً بحكم وصايا الناموس التي حطمها، فحكم عليه الناموس بالسجن، مثلما يودع القاضي العادل الإنسان المجرم السجن مدى الحياة، فلا يلام هذا القاضي على عدله، إنما اللوم كل اللوم يقع على من ارتكب الجريمة بمحض إرادته، وهو في كامل قواه العقلية، فاستحق العقوبة رغماً عن إرادته .. وما أقسى سطوة الخطية وعنفوانها إذ تقلب الموازين وتغيب العقل: "لأَنَّهَا طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم ٧: ٢٦) أنها تقبض على من يعشقها بقيود من حديد وفولاذ فلا يستطيع منها فكاكاً وتطرحه في سجن الجحيم وتغلق عليه لأن "كُلُّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ" (يو ٨: ٣٤، ٣٥)، ونفس الكتاب الذي أغلق على الكل تحت الخطية هو هو الذي أعطى الوعد بالفداء بيسوع المسيح لكل من يؤمن به.
لِيُعْطَى الْمَوْعُودُ مِنْ إِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ .. وهذا ما أوضحه بولس الرسول في موضع آخر عندما قال: "لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ" (رو ١٠: ٤)، فالسيد المسيح قد أكمل كل بر نيابة عنا، ومنحنا بره مجاناً، وليس بر الناموس، وهذا