صفحة 239
الأصحاح الثالث
مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ" (رو ٧: ٢٤) سجن مُغلق تحت الخطية محروس تحت الناموس، زفير وأنين، إلى متى؟ .. إلى الإيمان(۱).
كُنَّا مَحْرُوسِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، مُغْلَقاً عَلَيْنَا .. وقد اختار لسان العبر بدقة متناهية تعبير "مَحْرُوسِينَ"، فبينما كان الناموس يشبه السجان، ولكن هذا السجان لم يكن قاسياً، بل كان حارساً أميناً لنا .. كان حارساً لنا من خلال وصاياه، فكان كالسياج التي تحفظ الإنسان من السقوط من شرفة الدور العاشر مثلاً .. كان الناموس كحارس معه مفاتيح أبواب السجن الذي أغلق على الجميع تحت الخطية، ومع هذا فإنه كان يشير بقوة لمجيء المخلص الفادي، وكان يوجه دائماً نظر نزلائه لهذا المخلص القادر وحده على تحطيم الأبواب وإطلاق أسرى الرجاء، وبينما كان الإنسان في سجن الناموس كان محروساً في انتظار العفو الإلهي بالإفراج عنه والخروج للحرية. إذا الناموس أغلق على الكل في السجن محروسين بمعنى محفوظين، لا للهلاك بالرغم من أننا نستحق هذا، إنما للحياة الأبدية: "لأَنَّ اللَّهَ أَغْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ مَعاً فِي الْعِصْيَانِ لِكَيْ يَرْحَمَ الْجَمِيعَ" (رو ١١: ٣٢)، فحالة الإنسان تحت الناموس حالة السجين المحكوم عليه بالسجن إلى الأبد، ثم تأتي النعمة الإلهية فتفرج عنه ويعود إلى أسرته وبيته وأهله .. فكم تكون فرحته حينذاك؟!! .. ولعل تعبير "مَحْرُوسِينَ" الذي استخدمه بولس الرسول تذكرنا بوضع بطرس وهو في سجن هيرودس ليُذبح في الغد: "فَكَانَ بُطْرُسُ مَحْرُوساً فِي السِّجْنِ" (أع ١٢: ٥) .. كان محروساً بالعناية الإلهية.
مَحْرُوسِينَ مُغْلَقاً عَلَيْنَا إِلَى الإِيمَانِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ .. إلى الإيمان أي إلى الوقت الذي تحقق فيه تتميم الوعد الإلهي لإبراهيم، في ملء الزمان، حيث يأتي النسل الموعود به، فينتزع بدم صليبه مفاتيح سجن الجحيم من يد الناموس يفتح الأبواب ويحرر أسرى الرجاء، وهكذا انكسرت مغاليق الناموس، وساد ناموس المسيح ناموس الحرية، فلم يعد للخطية سلطان على المؤمنين باسم ابن الله.
ويقول "الأب متى المسكين": "وهكذا بمجيء الإيمان فتح المسيح سجن الخطايا وأبطل الخطية بذبيحة نفسه وأوقف الناموس عن سلطانه الذي كان يأمر بالموت ، وألغى قانون العقوبات وشطب الموت ، وأطلق أسرى الرجاء لملء حرية الحياة في المسيح ، والحاجز
(۱) شرح رسالة غلاطية ص ٣٠٦، ٣٠٧