انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com
٢٤٢

تفسير رسالة غلاطية

وعلى مدى فترة تربيته وتنشئته يتكون في العادة معه رابطة ألفة تزداد وتشتد بمرور الأيام، فيتعلق الولد بالعبد المعلم ربما أكثر من أبيه، ومن ضمن التأديب المنوط به التهذيب يقع حتماً دور التعليم .. والآن واضح التطبيق أشد الوضوح، فالناموس هنا قام بالنسبة لشعب إسرائيل ابن البكر بدور المؤدب والمهذب والمعلم (1).

الناموس مؤدبنا إلى المسيح .. لا يوجد أي تعارض بين الناموس والإيمان بالمسيح، بل أن السيد المسيح قال: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكْمِلَ" (مت ٥: ١٧)، كما قال له المجد للفريسيين: "كَانَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ إِلَى يُوحَنَّا. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللَّهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ" (لو ١٦: ١٦). لقد قطع الناموس بالإنسان رحلة طويلة خلال نحو ألف وخمسمائة عام عبر الأنبياء إلى أن وصل به إلى يوحنا المعمدان السابق الصابغ الذي تقدم المسيح بروح إيليا، وعندما جاء المسيح النسل الذي وعد به الله إبراهيم انتقل الإنسان من عصر الناموس لعصر النعمة "لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا" (يو ١: ١٧).

ويقول "ماكدونل": "يصوّر الناموس هنا كحارس ومرشد للأولاد أو كمؤدب. وهذا يؤيد فكرة التعليم، لأن الناموس علم دروساً عن قداسة الله وشر الإنسان والحاجة إلى التكفير .."

مؤدبنا إلى المسيح والمقصود هنا أن الناموس كان مربياً يهودياً إلى المسيح أي حتى مجيء المسيح .. فالناموس على وجه ما قد حفظ الشعب القديم كأمة مميزة (2).

لكي نتبرر بالإيمان .. قال بولس الرسول لليهود في مجمع أنطاكية بيسيدية: "وَبِهَذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ مُوسَى" (أع ١٣: ٣٩).

وقال في نفس الرسالة: "إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غل ٢: ١٦). إذا التبرير بالإيمان كان غاية وهدف الناموس الذي قصد أن يأتي بنا للمسيح: "لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ" (رو ١٠: ٤).

ولكن بَعْدَمَا جَاءَ الإِيمَانُ لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ .. استخدم بولس تعبيران أحدهما في (غل ٣: ٢٣) "قَبْلَمَا جَاءَ الإِيمَانُ" والثاني هنا: "بَعْدَمَا جَاءَ الإِيمَانُ"، وبهذين التعبيرين

(1) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٢٤١

(2) الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٩٨٥