صفحة 244
تفسير رسالة غلاطية
وَلَكِنْ بَعْدَمَا جَاءَ الإِيمَانُ لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ .. المؤدب مسئول مسئولية كاملة عن ابن سيده ما دام صغيراً قاصراً، ولكن متى نضج هذا الابن فحينئذ ينتهي دور المؤدب والمربي، ولم يعد هذا الابن تحت سيطرة هذا المؤدب، بل انحلت عنه كل قيوده وسطوته، أما أهل غلاطية فقد أرادوا أن يتنازلوا عن الحرية التي حصلوا عليها بإيمانهم بالسيد المسيح ويعودون إلى عبودية الناموس، إلى المربي والمؤدب وإلى عهد الوصاية وكأنهم قاصرون، ويصيرون كمن يترك ضوء الشمس ليعيش في ضوء شمعة .. نعم الناموس له كل احترام وتقدير وتقديس، فهو صاحب الفضل في قيادة الإنسان لمعرفة المسيح، ولكن ليس معنى هذا أننا نعيش على الدوام في ظلاله، وأن لا نتمتع بنور شمس البر الخالد.
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "فالناموس . كوسيط علينا لا يصير متعارضاً مع النعمة بل ممهداً لها وعاملاً معها، ولكن لا يجب أن يشدنا إلى الوراء بعد أن حصلنا على النعمة حتى لا نصير كمن يستضيئ بسراج الليل عن شمس النهار. لسنا بعد تحت مؤدب، بل قد صرنا "أبناء الله" انظروا قوة الإيمان وكيف تنمو فينا؟ منذ قليل صرنا أولاد إبراهيم، أما الآن فقد صرنا أولاد الله! وذلك بالإيمان وليس بالناموس" (۱).
ويقول "الأب متى المسكين": "هنا مواجهة صريحة ضد المتهودين في غلاطية الذين أرادوا أن يعودوا إلى الناموس بعد أن آمنوا بالمسيح واعتمدوا، ويوضح لهم ق. بولس بهذه الآية استحالة جمع العبودية تحت عصى الناموس وتهديده الدائم بالموت، مع حرية البنين الذين حصلوا عليها بالإيمان. وصورتها مخزية كموظف في الدائرة الملكية يقدم طلباً ليُقبل في كتاب القرية ليزداد علماً! أو كرجل يافع يحن إلى ضرب العصى الذي ذاقه في طفولته، إنها مهزلة وعمى رؤية، وهي تمث إلى نفس مريضة لا تقوى على الاستمتاع بالحرية، ولا تقدر كرامة البنوة فتتمنى العودة إلى سجن العبودية"(٢).
ويقول "الخوري بولس الفغالي" ما الذي يميز وظيفة المؤدب؟ أولاً: هي محددة في الزمن، إلى أن يبلغ الطفل السن الذي فيه يستطيع أن يتصرف بالميراث .. هذا هو الدور التاريخي للشريعة الموسوية. جاء زمن يسوع فانتهى زمنها، قادت الشعب اليهودي إلى
(۱) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٣٧
(۲) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٢٤٢، ٢٤٣