صفحة 245
الأصحاح الثالث
المسيح فانتهى دورها، وهناك دور يجب أن لا ننساه، فالشريعة لعبت أيضاً دور المربي، قادت البشرية إلى المسيحية، قادتها إلى الإيمان بيسوع المسيح. حين تم قصد الله وجاء المسيح، وضع حداً لدور الشريعة وجعل الناس يَتَبَرَّرُون بالإيمان، يَتَبَرَّرُون بيسوع المسيح .. نحن نعيش في زمن ليس زمن الشريعة، والكنيسة اليوم تهددها تجربتان: إذ أنها تسبق (كالساعة) بالنسبة إلى أزمنة الخلاص وتظن أنها منذ الآن في الملكوت. أو أنها تؤخر، فتنسى الوضع الجديد الذي دشنه يسوع المسيح (۱).
لأَنَّكُمْ جَمِيعاً أَبْنَاءُ اللَّهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ ..
في الآية الثامنة من نفس الإصحاح تحدث بولس الرسول مع الغلاطيين عن بنوتهم لإبراهيم، وفي هذه الآية يحدثهم عن بنوتهم للمسيح يسوع، ونلاحظ هنا تغيير الضمير من ضمير المتكلم (نحن) إلى ضمير المخاطب (أنتم)، فبعد أن تكلم عن اليهود (نحن) بدأ يتكلم بضمير المخاطب "لأَنَّكُمْ جَمِيعاً" سواء من الأمم أو اليهود فقد صرتم أبناء الله، فإيماننا بالمسيح يسوع جعلنا أبناء الله كقول الإنجيل: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلادَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. الَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ وَلا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ وَلا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ بَلْ مِنَ اللَّهِ" (يو ١: ١٢، ١٣) .. صرنا أبناء راشدون ولسنا قاصرين تحت وصاية الناموس، بل صرنا مسكناً للروح القدس ليقودنا في مسيرتنا تجاه الملكوت: "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ .. الرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضاً يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلادُ اللَّهِ" (رو ٨: ١٤، ١٦).
لأَنَّكُمْ جَمِيعاً أَبْنَاءُ اللَّهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ ..
والبنوة لله هي أعظم امتياز ينفرد به الإنسان المسيحي، فلا يوجد إنسان على سطح الأرض يستطيع أن يقول أنه ابن الله، فهذه عقيدة فريدة تنفرد بها المسيحية. في العهد القديم دُعي الإنسان ابناً لله: "رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ" (إش ١: ١)، ولكن كان هذا الابن قاصراً تحت الوصاية، أما في العهد الجديد فقد صرنا أبناء راشدين ناضجين مسكناً لروح الله القدوس. والبنوة أمر عظيم جداً كان موضع دهشة يوحنا الحبيب حتى أنه قال: "انْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلادَ اللَّهِ" (١يو ٣: ١)، والذي يثبت في الإيمان بالمسيح يحافظ على هذه البنوة الغالية جداً،
(۱) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ١٥٢، ١٥٣