صفحة 250
www.christianlib.com
٢٥٠ -
تفسير رسالة غلاطية
أعماق المحبة المذبوحة على الصليب من أجل كل العالم قد تغيرت نظرته هذه إلى النقيض، وهذا ما سجله في هذه الآية الرائعة، فلا فرق بين أي شخص وآخر لأي سبب كان، ولعل هذه الآية صدى لما جاء في الصلاة الوداعية: "لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يو ١٧: ٢٢، ٢٣)، وإن كان هناك ميل طبيعي لدى الإنسان أن يتآلف سريعًا مع من يشبهه، لكن من يلبس المسيح يدرك جيدًا أن المسيح للكل، فيسعى للتآلف مع الجميع حتى المخالفين له في اللون والجنس والعقيدة، يقبل القديسين منهم ويتمثل بإيمانهم، ويقبل الخطاة منهم ولا يتمثل بشرهم.
ويقول "الأب متى المسكين": "ارتفع المسيح بارتفاعه على الصليب في قلب ق. بولس ليكون معيار القداسة والمحبة والسلام الأعظم، الذي حلَّ في العالم ليرفع البغضة والعداوة والأحقاد بين القلوب، أينما كانت ومهما كانت، واعتبر أن جسد المسيح الذي تمزق على الصليب إنما هو الذي امتص العداوة بصورتها المطلقة. فبقدر ما صار لعنة وخطية لأجلنا على الصليب فمزقت الخطية جسده ممثلة في الحسد والبغضة والعداوة التي ملأت قلوب صالبيه من رؤساء كهنة السنهدريم مع شيوخه، بقدر ما صار المسيح سلامًا وحبًا ومصالحة للجميع والكل مع الله.
والقديس بولس وهو يذكر هذه الثلاث عداوات من كتاب صلاة الصباح، إنما عاد لتنسيقها من قانون المعمودية الذي وضعته الكنيسة مبكرًا جدًا كما يقول العالم بروس والذي سيذكر بعضنا منه في هذه الآيات:
"لأننا جميعًا بروح واحدٍ أيضًا اعتمدنا إلى جسدٍ واحدٍ .. يهودًا كنا أم يونانيين، عبيدًا أم أحرارًا، وجميعنا سُقينا روحًا واحدًا" (١كو ١٢: ١٣).
"إذ خَلَعْتُمُ الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّدُ للمعرفة حسب صورة خالقه .. حيثُ ليسَ يوناني ويهودي، خِتَانٌ وغُرْلَةٌ، بَرْبَرِي سِكِّيثِي، عَبْدٌ حُرٌّ، بل المسيحُ الكُلُّ وفي الكُلِّ" (كو ٣: ٩ - ١١)(١).
ليس يهودي ولا يوناني .. كان اليهود ينظرون لأنفسهم على أنهم أبناء إبراهيم وهم شعب الله المختار، وما عداهم من الأمم كلاب وقد خلقوا كوقود لجهنم النار، هذا من جانب،
(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٢٥٠ ، ٢٥١