صفحة 251
الأصحاح الثالث
— ٢٥١ —ومن جانب آخر كان اليونانيون ينظرون للآخرين على أنهم برابرة متخلفين. أما المسيحية فقد نظرت للجميع على أنهم إخوة "لأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ لِأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ" (رو ١٠: ١٢). وعندما كان بولس في أثينا قال لهم عن الله: "وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الْأَرْضِ" (أع ١٧: ٢٦). وقال بطرس الرسول وهو في بيت كرنيليوس: "بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ" (أع ١٠: ٣٤، ٣٥)، وبالطبع لا أحد يصنع البر بدون المسيح يسوع. إذا المؤمنون بالمسيح لا فرق بينهم مهما كانت أصولهم.
وجاء في "التفسير التطبيقي": "أنه ميل طبيعي أن نشعر بعدم الارتياح بالنسبة لمن يختلفون عنا، وأن ننجذب نحو من يشبهوننا، ولكن عندما نسمح للاختلافات أن تفصلنا عن المؤمنين رفقائنا، فإننا نتجاهل التعليم الكتابي الواضح، فلتهتم بالسعي نحو من لا يشابهونك تماماً واحترمهم، فقد تكتشف أشياء كثيرة مشتركة بينك وبينهم (١)."
لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ .. في القديم أوصى الرب شعبه أن لا يختلط بالأمم حتى لا يتأثر بهم ويعبد عباداتهم النجسة، فقال لشعبه: "لِأَنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلَهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ" (تث ٧: ٦) .. "أَنْتُمْ أَوْلَادٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكُمْ .. لِأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِكَيْ تَكُونَ لَهُ شَعْبًا خَاصًّا فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ" (تث ١٤: ١، ٢)، وكان هذا الفكر يناسب طبيعة تلك المرحلة، إذ كان الله يُسيِّج حول شعبه حتى لا يتوه في غياهب وثنية وشرور الشعوب المجاورة، وعندما اختار الله إبراهيم ليجعل من نسله شعباً مقدساً مخصصاً له كان هذا الاختيار مؤقتاً إلى حين أن يأتي نسل إبراهيم الموعود به، الرب يسوع المسيح، الذي به تتبارك جميع أمم الأرض. إذا ما حدث من تمييز في العهد القديم كان ضرورياً ليحافظ الله على هوية شعبه ومع ذلك كثيراً ما كان هذا الشعب يفقد هويته ويختلط بالأمم ويشرب من كأس خمرهم فيذوق مرارة عناده ويقع تحت ذل وعبودية تلك الشعوب القاسية. ولكن عندما جاء نسل إبراهيم عاد ووحد اليهود مع الأمم شعباً مقدساً له من كل قبيلة ومن كل لسان: "لِأَنَّهُ هُوَ سَلَامُنَا الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا"
(1) التفسير التطبيقي ص ٢٥٠٣