صفحة 252
تفسير رسالة غلاطية
وَنَقَضَ حَائِطَ السَّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ .. وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللَّهِ بِالصَّلِيبِ قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ" (أف ٢: ١٤، ١٦). وَقَالَ "غُوفِيتْ Goveet": "أَنَّ كُلَّ الْفُرُوقَاتِ الَّتِي صَنَعَهَا النَّامُوسُ ابْتَلَعَهَا الْقَبْرُ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ" (١).
لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ .. قَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا" (مر ١٠: ٤٤)، وَقَدْ أَخَذَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ صُورَةَ الْعَبْدِ فِي تَجَسُّدِهِ وَآلامِهِ، فَهُوَ الْعَبْدُ الْمُتَأَلِّمُ الَّذِي تَنَبَّأَ عَنْهُ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ: "هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ وَيَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا" .. (إش ٥٢: ١٣)، وَكَانَ يَلِدُ لِبُولُسَ الرَّسُولِ أَنْ يَدْعُوَ نَفْسَهُ: "عَبْدَ يَسُوعَ"، وَقَدْ ذَكَرَ بُولُسُ الرَّسُولُ الْعَبْدَ قَبْلَ الْحُرِّ "لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ" وَبَيْنَمَا كَانَ الْعَالَمُ حِينَذَاكَ يُعْطِي لِلْإِنْسَانِ الْحُرِّ كَافَّةَ حُقُوقِهِ كَانَ يَحْرِمُ الْعَبْدَ مِنْ أَيَّةِ حُقُوقٍ، بَيْنَمَا نَظْرَةُ الْمَسِيحِيَّةِ أَنَّ الْجَمِيعَ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ: "دُعِيتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَلَا يَهُمَّكَ. بَلْ وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصِيرَ حُرًّا فَاسْتَعْمِلْهَا بِالْحَرِّيِّ. لِأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ. كَذَلِكَ أَيْضًا الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ" (١كو ٧: ٢١، ٢٢) وَإِنَّ الْعَبْدَ يَأْخُذُ مُكَافَأَتَهُ مِنَ الرَّبِّ مِثْلَ الْحُرِّ تَمَامًا: "عَالِمِينَ أَنَّ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ فَنَذَاكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا" (أف ٦: ٨).
وعندما التقى بولس الرسول بأنسيمس العبد الهارب من سيده فليمون، فأصلح حاله وأعاده إلى سيده برسالة قائلاً: "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لِأَجْلِ ابْنِي أُنْسِيمُسَ الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي .. الَّذِي رَدَدْتُهُ. فَاقْبَلْهُ الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي .. لِكَيْ يَكُونَ لَكَ إِلَى الْأَبَدِ . لَا كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ أَخًا مَحْبُوبًا" (فل ١٠ - ١٦)، وَحَرَّرَ فليمون أنسيمس، وصار أنسيمس أسقفاً للمدينة العظيمة أفسس.
لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى .. كَانَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ الْمِيلادِيِّ تَمْنَحُ الرَّجُلَ كَافَّةَ حُقُوقِهِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مِنَ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، خُلِقَتْ لِكَيْمَا تَخْدُمَ رَجُلَهَا وَتُنْجِبَ لَهُ الْأَوْلادَ وَتَرْبِيَهُمْ، وَلَا ثَمَّةَ حُقُوقٍ لَهَا، بَيْنَمَا كَرَّمَتِ الْمَسِيحِيَّةُ الْمَرْأَةَ وَرَفَعَتْ مِنْ شَأْنِهَا، وَنَظَرَةُ لِمُعَامَلاتِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ مَعَ الْمَرْأَةِ تُوَضِّحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، وَأَعْظَمُ تَكْرِيمٍ لِلْمَرْأَةِ كَانَ فِي شَخْصِ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ أُمِّ النُّورِ وَالِدَةِ الإِلَهِ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ الَّتِي حَمَلَتْ جَمْرَ اللاهُوتِ فِي أَحْشَائِهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَعْطَتْ لِلابْنِ الْمُتَجَسِّدِ الْجَسَدَ الْمُقَدَّسَ، فَصَارَتْ أَعْلَى مِنَ الشَّارُوبِيمِ وَالسَّرَافِيمِ.
(1) أورده مكدونل - الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٩٨٧