صفحة 265
الأَصْحَاحُ الرَّابِعُ
١- الإِنْسَانُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ مُنْذُ خَلْقَتِهِ وَحَتَّى السُّقُوطِ، وَلا نَدْرِي كَمِ اسْتَمَرَّتْ هَذِهِ الْفَتْرَةُ مِنَ السِّنِينَ، وَلَكِنَّهَا بِلا شَكٍّ كَانَتْ أَجْمَلَ وَأَرْوَعَ الْمَرَاحِلِ الَّتِي مَرَّ بِهَا الإِنْسَانُ، عَاشَ فِي سَعَادَةٍ غَامِرَةٍ وَبَرَاءَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، حَتَّى أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ كَانَا عُرْيَانَيْنِ وَلَمْ يَخْجَلا، وَكَانَ الإِنْسَانُ هُوَ الْمَلِكُ الْمُتَوَّجُ عَلَى هَذِهِ الْخَلِيقَةِ كُلِّهَا.
٢- الْفَتْرَةُ الَّتِي مَرَّ بِهَا الإِنْسَانُ مِنَ السُّقُوطِ وَالطَّرْدِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ وَحَتَّى الطُّوفَانِ، تَحْتَ حُكْمِ النَّامُوسِ الطَّبِيعِيِّ وَإِرْشَادِ الضَّمِيرِ، وَفِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ ازْدَادَ شَرُّ الإِنْسَانِ وَطَغَى وَوَصَلَ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، فَصَدَرَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ بِإِبَادَةِ كُلِّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ عَلَى الأَرْضِ بِاسْتِثْنَاءِ مَنْ حَمَلَتْهُمْ سَفِينَةُ نُوحٍ، ثَمَانِيَةِ أَنْفُسٍ خَلَصُوا بِالْمَاءِ.
٣- الْمَرْحَلَةُ الَّتِي مَرَّ بِهَا الإِنْسَانُ بَعْدَ الطُّوفَانِ وَحَتَّى عَصْرِ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ عَادَ الإِنْسَانُ إِلَى شَرِّهِ، وَانْحَدَرَتِ الْبَشَرِيَّةُ بِصُورَةٍ أَعْمَقَ إِلَى الرَّذَائِلِ وَالانْحِطَاطِ الْخُلُقِيِّ وَالسِّحْرِ وَالْعِرَافَةِ وَالْعِبَادَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَتَقْدِيمِ الأَطْفَالِ ذَبَائِحَ بَشَرِيَّةٍ، وَتَاهَ الْعَالَمُ فِي غَيَاهِبَ الْوَثَنِيَّةِ وَقَسْوَتِهَا، فَاخْتَارَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ كَبِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ، وَدَعَاهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ أَرْضِهِ وَمِنْ شَعْبِهِ وَوَعَدَهُ بِالْبَرَكَةِ، لِيَكُونَ خَمِيرَةً صَالِحَةً يُخَمِّرُ بِهِ عَجِينَ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَعْطَاهُ الْوَعْدَ الإِلَهِيَّ بِأَنَّ بِنَسْلِهِ تَتَبَارَكُ كُلُّ أُمَمِ وَقَبَائِلِ الأَرْضِ.
٤- عَصْرُ النَّامُوسِ، فَبَعْدَ إِعْطَاءِ الْوَعْدِ لإِبْرَاهِيمَ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً أَعْطَى اللَّهُ مُوسَى النَّبِيَّ النَّامُوسَ لِيَضْبِطَ شَعْبَهُ وَيُمَيِّزَهُ عَنْ بَقِيَّةِ شُعُوبِ الأَرْضِ، وَكَشَفَ النَّامُوسُ لِلإِنْسَانِ عَنْ بَشَاعَةِ الْخَطِيَّةِ، لَكِنَّهُ فَشِلَ فِي مَنْحِهِ الْخَلاصَ مِنْهَا، وَحَيْثُ أَنَّ الإِنْسَانَ فَشِلَ فِي تَنْفِيذِ وَصَايَا النَّامُوسِ وَأَحْكَامِهِ وَفَرَائِضِهِ بِالْكَامِلِ، فَقَدْ سَقَطَ تَحْتَ اللَّعْنَةِ، وَاسْتَمَرَّ عَصْرُ النَّامُوسِ نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، حَتَّى جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ.
لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ .. أَيِ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ الأَبُ، فَهُوَ الْوَقْتُ الْمُؤَجَّلُ الَّذِي حَدَّدَهُ الأَبُ لِيُحَرِّرَ الأَبْنَاءَ الْقُصَّرَ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ أَوْصِيَاءٍ وَوُكَلاءَ مُسْتَعْبَدِينَ لأَرْكَانِ الْعَالَمِ. مُغْلَقٌ عَلَيْهِمْ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، مَحْرُوسِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ .. وَتَعْبِيرُ "مِلْءُ الزَّمَانِ" فِيهِ تَشْبِيهٌ ضِمْنِيٌّ بَلِيغٌ، إِذْ يُشَبِّهُ الزَّمَنَ بِكَأْسٍ وَالسِّنُونَ الَّتِي تَمُرُّ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى تُضِيفُ كُلٌّ مِنْهَا نُقْطَةً لِهَذَا الْكَأْسِ حَتَّى امْتَلأَ إِلَى حَافَتِهِ فَاكْتَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ: "وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يُكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللَّهِ. وَيَقُولُ قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ".