انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com
٢٦٨

تفسير رسالة غلاطية

الإلهي بأن نسل المرأة يسحق رأس الحية، فقال الله للحية: "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ نَسْلِكَ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكَ وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ" (تك ٣: ١٥)، كما يعرض يوحنا الرسول في سفر الرؤيا لقطة عجيبة لهذه المرأة: "وَظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا وَعَلَى رَأْسِهَا إِكْلِيلٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَبًا وَهِيَ حُبْلَى تَصْرُخُ مُتَمَخِّضَةً وَمُتَوَجِّعَةً لِتَلِدَ. وَظَهَرَتْ آيَةٌ أُخْرَى فِي السَّمَاءِ. هُوَذَا تِنِّينٌ أَحْمَرُ .. وَالتِّنِّينُ وَقَفَ أَمَامَ الْمَرْأَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَلِدَ حَتَّى يَبْتَلِعَ وَلَدَهَا مَتَى وَلَدَتْ. فَوَلَدَتِ ابْنًا ذَكَرًا عَتِيدًا أَنْ يَرْعَى جَمِيعَ الْأُمَمِ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ" (رؤ ١٢: ١ - ٥).

أَرْسَلَ اللَّهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ .. وُلد من امرأة إنساناً كاملاً يحمل الطبيعة البشرية كاملة، جسد بشري وروح بشرية، واتحد اللاهوت بالناسوت في أحشاء البتول العذراء مريم معمل الاتحاد، فمنذ اللحظة الأولى لتكوُّن الناسوت وُجِد اللاهوت فاتحاً أحضانه لاستقباله، وبعد الاتحاد لم ينفصل عنه قط لحظة واحدة ولا طرفة عين.

أَرْسَلَ اللَّهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ .. أوضح بولس الرسول طبيعة المولود، فمن جهة الناسوت هو مولود من امرأة إنسان كامل، ومن جهة اللاهوت هو الكائن منذ الأزل، وقول بولس الرسول: "أَرْسَلَ اللَّهُ ابْنَهُ" يُلقي الضوء على الوجود السابق للابن، أي أن الابن كائن قبل أن يرسله الآب، فالابن هو قوة الله وحكمته: "فَقُوَّةُ اللَّهِ وَحِكْمَةُ اللَّهِ" (١كو ١: ٢٤)، هو اللوغوس: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يو ١: ١)، هو الكائن في الحضن الأبوي كل حين: "اللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. الْاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الْآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو ١: ١٨)، هو الأزلي بأزلية الآب: "إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ قَالَ لِي أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مز ٢: ٧) والمقصود باليوم ليس زمناً معيناً، لكنه اليوم الذي ليس قبله يوم، أي الأزل.

وقال لليهود: "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يو ٨: ٥٨) وهو الدائم إلى الأبد: "يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الْأَبَدِ" (عب ١٣: ٨)، وعندما أرسل الآب ابنه لم ينفصل عنه، ولا الابن انفصل عن الآب، فدائماً وأبداً الابن في الآب والآب في الابن، والروح القدس هو روح الآب وروح الابن أيضاً. ومن له هذا الإيمان ويتمسك به لا تقوى رياح التجارب أن تهزه.