صفحة 269
الأصحاح الرابع
أَرْسَلَ اللَّهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنْ امْرَأَةٍ .. أرسل الله الابن الوحيد الجنس، الذي هو من نفس طبيعته وجوهره، المساوي له في كل شيء، والواحد معه في الجوهر الإلهي، الذي فيه حل كل اللاهوت: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللَّهِ لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في ٦:٢، ٧)، وقال: "الَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ .. أَنَا فِي الآبِ وَالآبُ فِيَّ .. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبُ فِيَّ" (يو ٩:١٤ - ١١)، ولذلك "كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضاً وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضاً" (١يو ٢: ٢٣) .. لقد أخذ طبيعتنا وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وحدها: "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلادُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ أَيْ إِبْلِيسَ" (عب ٢: ١٤).
مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ .. كرر بولس الرسول كلمة "مَوْلُوداً" في الآية مرتين قائلاً: "مَوْلُوداً مِنْ امْرَأَةٍ"، و"مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ" مؤكداً على ناسوت السيد المسيح، لقد ولد من امرأة تحت الناموس أي امرأة يهودية، وفي أسرة يهودية، مرتضياً أن يلتزم بمطالب الناموس وهو واضع الناموس، في اليوم الثامن من ولادته ختن بحسب الناموس، وفي اليوم الأربعين من ولادته دخلت أمه الهيكل لتتمم شريعة التطهير رغم أن وليدها هو القدوس البعيد عن كل شر وكل دنس: "وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ" (لو ٢: ٢٧)، وقبل العماد من يوحنا المعمدان، وفي الأعياد كان يصعد إلى الهيكل، وبدأ خدمته وهو في الثلاثين من عمره بحسب الناموس، وقال: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (مت ٥: ١٧) وهو الوحيد الذي التزم التزاماً صحيحاً بجميع وصايا وأحكام وفرائض الناموس، وقال لليهود: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ" (يو ٨: ٤٦)، وقال عنه بطرس الرسول: "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (١بط ٢: ٢٢) لقد تواضع المسيح ونزل حيث كان الإنسان لكيما يرفعه إليه، ولد من امرأة تحت الناموس وصار ابناً للإنسان لكيما يصير الإنسان ابناً لله.
ويقول "الْقِس غبريال رزق الله": "أكمل السيد المسيح كل أحكام الناموس وفرائضه وأتم كل أوامره ونواهيه وأنجز كل التزاماته الكاملة حتى لمع بهاء طهارته وجمال نقاوته ومجد قداسته الكاملة على جبل التجلي حيث "أَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ