صفحة 274
تفسير رسالة غلاطية
الأَبُ ومَسَرَّتِهِ كَقَوْلِ بُولُسَ الرَّسُولِ أَنَّ الأَبَ اخْتَارَنَا فِي الابْنِ: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ. إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ" (أف ١: ٤، ٥)، فَالَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الْمِيرَاثُ مِنْ قَبْلُ، عِنْدَمَا صَارَتْ لَهُمُ الْبُنُوَّةُ صَارَ لَهُمُ الْحَقُّ فِي الْمِيرَاثِ أَيْضاً.
ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ أَرْسَلَ اللَّهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخاً يَا أَبَا الآبِ. إِذاً لَسْتَ بَعْدُ عَبْداً بَلِ ابْناً وَإِنْ كُنْتَ ابْناً فَوَارِثٌ لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ" (غل ٤: ٦، ٧).
ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ .. فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَرُدُّ بُولُسُ الرَّسُولُ عَلَى سُؤَالٍ ضِمْنِي: مَا هُوَ وَضْعُنَا بَعْدَ الْفِدَاءِ؟ .. بِالْفِدَاءِ صِرْنَا أَبْنَاءَ اللَّهِ، وَبِمَا أَنَّنَا أَبْنَاءٌ وَلَسْنَا عَبِيدَ، فَلَنَا الْحَقُّ فِي الْمِيرَاثِ السَّمَائِيِّ .. لَقَدْ صِرْنَا أَبْنَاءَ اللَّهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ وَالْمَعْمُودِيَّةِ بِاسْمِهِ، وَيَقُولُ "الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ذَهَبِيُّ الْفَمِ": "لَوْلاَ نِعْمَةُ الْبُنُوَّةِ لَمَا تَجَاسَرْتُ أَنْ أَقُولَ : يَا أَبَانَا الآبَ، وَمَا دَامَتِ النِّعْمَةُ قَدْ حَرَّرَتِ الْعَبِيدَ وَأَنْضَجَتِ الأَطْفَالَ وَصَيَّرَتْنَا أَبْنَاءَ، أَفَلاَ تَكُونُ جَهَالَةً أَنْ نَرْجِعَ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْغَنِيَّةِ إِلَى الْتِزَامَاتِ النَّامُوسِ؟!" (١).
وَجَاءَ فِي "الْمَوْسُوعَةِ الْكَنَسِيَّةِ": "بُنُوَّتُكَ لِلَّهِ تَفْتَحُ لَكَ آفَاقاً وَاسِعَةً فِي الْعَلاَقَةِ مَعَهُ، فَتُعْطِيكَ طُمَأْنِينَةً وَسَعْياً لِلتَّشَبُّهِ بِهِ وَمَيْلاً لِلْوُجُودِ مَعَهُ، فَتَخْتَبِرُهُ لَيْسَ فَقَطْ فِي الصَّلَوَاتِ وَالْقِرَاءَاتِ وَالإِتِّحَادِ فِي سِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَا بَلْ أَيْضاً تُعَايِنُهُ وَتَشْعُرُ بِهِ مَعَكَ فِي كُلِّ خُطُوَاتِكَ حَتَّى تَنْعَمَ بِالْوُجُودِ الدَّائِمِ مَعَهُ فِي السَّمَوَاتِ" (٢).
أَرْسَلَ اللَّهُ رُوحَ ابْنِهِ .. فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ نَجِدُ التَّثْلِيثَ وَاضِحاً، فَقَوْلُهُ "اللَّهُ" أَيْ أُقْنُومُ الأَبِ، وَقَوْلُهُ "رُوحَ ابْنِهِ" أَيْ أُقْنُومُ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَقَوْلُهُ "ابْنِهِ" أَيْ أُقْنُومُ الابْنِ، وَفِعْلُ "أَرْسَلَ" الْمُسْتَخْدَمُ هُنَا فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ هُوَ نَفْسُ الْفِعْلِ الَّذِي اسْتَخْدَمَهُ بُولُسُ الرَّسُولُ سَابِقاً عِنْدَمَا قَالَ: "أَرْسَلَ اللَّهُ ابْنِهِ" (غل ٤: ٤) فَوَاضِحٌ أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ مِثْلُهُ مِثْلُ الابْنِ كَائِنٌ قَبْلَ حُلُولِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ أَزَلِيٌّ بِأَزَلِيَّةِ الأَبِ وَالابْنِ، وَلَهُ جَمِيعُ الصِّفَاتِ وَالْكَمَالاَتِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي لِلأَبِ وَالابْنِ، بِاسْتِثْنَاءِ الصِّفَاتِ الأُقْنُومِيَّةِ، فَالصِّفَةُ الأُقْنُومِيَّةُ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا الأَبُ أَنَّهُ وَالِدٌ
(١) تَفْسِيرُ رِسَالَةِ غَلاَطِيَّةَ لِلْقِدِّيسِ يُوحَنَّا ذَهَبِيِّ الْفَمِ ص ٣٨
(٢) الْمَوْسُوعَةُ الْكَنَسِيَّةُ لِتَفْسِيرِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ جـ ٤ ص ٢٥٦