انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

٢٧٥

الأَصْحَاحُ الرَّابِعُ

لِلابْنِ وَيَائِقٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ، وَالصِّفَةُ الأُقْنُومِيَّةُ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا الابْنُ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ الأَبِ، وَالصِّفَةُ الأُقْنُومِيَّةُ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا الرُّوحُ الْقُدُسُ أَنَّهُ مُنْبَثِقٌ مِنَ الأَبِ.

وَقَالَ الْبَعْضُ بِمَا أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ هُوَ "رُوحُ الْآبِ" (مت ١٠: ٢٠) وَدُعِيَ هَكَذَا لِأَنَّهُ مُنْبَثِقٌ مِنَ الْآبِ، وَبِمَا أَنَّهُ دُعِيَ هُنَا "رُوحُ الابْنِ" فَهُوَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُنْبَثِقٌ مِنَ الابْنِ، وَهَذَا اجْتِهَادٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْكِتَابَ لَمْ يَقُلْ هَذَا، فَعِنْدَمَا تَكَلَّمَ عَنِ الانْبِثَاقِ قَالَ بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ: "وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الْآبِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الْآبِ يَنْبَثِقُ" (يو ١٥: ٢٦)، فَذَكَرَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ انْبِثَاقَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الْآبِ بِصُورَةٍ وَاضِحَةٍ وَقَاطِعَةٍ وَحَاسِمَةٍ، بَيْنَمَا نَسَبَ لِنَفْسِهِ الْإِرْسَالَ فَقَالَ: "الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا"، فَالابْنُ أَرْسَلَ الرُّوحَ الْقُدُسَ الْمُنْبَثِقَ مِنَ الْآبِ رُوحَ الْحَقِّ الْمُعَزِّي، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ أَيُّ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ مُنْبَثِقٌ مِنَ الابْنِ، إِنَّمَا هَذِهِ بِدْعَةٌ اعْتَقَدَ بِهَا الْإِخْوَةُ الْكَائُولِيكُ بِسَبَبِ الْخَلْطِ بَيْنَ الْإِرْسَالِ وَالانْبِثَاقِ (رَاجِعْ كِتَابَنَا - يَا إِخْوَتَنَا الْكَائُولِيكُ مَتَى يَكُونُ اللِّقَاءُ؟ جـ ٢ أَضْوَاءٍ عَلَى آرَاءٍ).

أَرْسَلَ اللَّهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا يَا أَبَا الْآبِ .. نَتِيجَةَ التَّبَنِّي أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لِيَسْكُنَ فِينَا، فَنَحْنُ كَمُؤْمِنِينَ صِرْنَا مَسْكَنًا لِلرُّوحِ الْقُدُسِ: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللَّهِ وَرُوحُ اللَّهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ" (١كو ٣: ١٦)، وَالْأَمْرُ الْعَجِيبُ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنِينَ وَيَطْلُبُونَ مَعْمُودِيَّةَ الرُّوحِ وَهُمْ لَا يُدْرُونَ أَنَّنَا صِرْنَا مَسْكَنًا لِلرُّوحِ الْقُدُسِ، وَالْقِدِّيسُ بُولُسُ يَقُولُ لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ" (رو ٨: ٩)، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ ضِدُّ رُوحِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بُولُسُ الرَّسُولُ: "إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ يَا أَبَا الْآبِ" (رو ٨: ١٥)، فَرُوحُ اللَّهِ السَّاكِنُ فِينَا يُبَدِّدُ كُلَّ خَوْفٍ مِنَ اللَّهِ مَا دُمْنَا نَثِقُ فِي قِيَادَتِهِ لَنَا، وَإِنْ كَانَ أَيُّ أَبٍ جَسَدِيٍّ يَشْعُرُ بِالْحُزْنِ الْعَمِيقِ عِنْدَمَا يَشْعُرُ أَنَّ أَوْلَادِهِ يَخَافُونَ مِنْهُ وَلَا يَأْنَسُونَ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهُمْ يَتَّقُونَ غَضَبَهُ، فَكَمْ يَكُونُ حُزْنُ الْآبِ السَّمَاوِيِّ عِنْدَمَا يَرَانَا مُتَمَسِّكِينَ بِرُوحِ الْعُبُودِيَّةِ بَعِيدِينَ عَنْ رُوحِ التَّبَنِّي؟!

.. وَبِالطَّبْعِ لَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنْ نُقِلَّ هَيْبَةَ اللَّهِ فِي أَعْيُنِنَا، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ عَلَاقَتَنَا مَعَهُ تَتَحَوَّلُ إِلَى عَلَاقَةِ حُبٍّ عِوَضًا عَنْ عَلَاقَةِ الْخَوْفِ، عَلَاقَةِ الْبُنُوَّةِ عِوَضًا عَنْ عَلَاقَةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْحُبُّ يَطْرَحُ الْخَوْفَ خَارِجًا.