صفحة 278
تفسير رسالة غلاطية
إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ .. قول بولس الرسول "إِذًا" يعني أن ما سيأتي بعدها يعتبر نتيجة منطقية لما سبق، بما أنكم أبناء، إذا لستم بعد عبيداً، فهذه هي الخلاصة والنتيجة أنه بالفداء حصلنا على التبني، وبموجب التبني صرنا ورثة، ورثة بالمسيح، أي بإيماننا واتحادنا به، فهو الابن الوارث بالطبيعة، ونحن فيه وبه نرث ملكوت السموات تفضلاً منه، وبعد أن كان بولس الرسول يستخدم صيغة الجمع "بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ" نجده في هذه الآية يتحول إلى صيغة المفرد، فالعلاقة الجماعية مع الله لا تغني عن العلاقة الشخصية، وقول بولس الرسول: "لَسْتَ" يجذب الأنظار ويؤكد على العلاقة الشخصية مع الله، فبولس الرسول يحدث كل واحد باسمه قائلاً له: "لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا" كقول داود النبي: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلَا يُعْوِزُنِي شَيْءٌ .. يُرِيحُنِي .. يَرُدُّ نَفْسِي يَهْدِينِي .. لِأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي .. يُعَزِّيَانِنِي" (مز ۲۳)، فلا غنى للمؤمن عن علاقته الشخصية مع الله، فالمسيح للكل وهو أيضاً لي بصفة خاصة: "الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِي" (غل ٢: ٢٠).
ويقول "الأب متى المسكين": "إن ق. بولس انتقل في هذه الآية من استخدام الجمع في السابق إلى استخدام المفرد مرة واحدة، ومن هنا واضح أنه أراد بهدوء إقناع المخاطب أن يدخل إلى بيت الأب ليأخذ وثيقة الميراث كابن. إنها روعة البيان .. ويلاحظ القارئ أيضاً أنه يخاطب اليهود المسيحيين الذين تداعبهم أفكار الإخوة الكذبة الذين يودون إرجاعهم إلى اليهودية، كما تنطق دعوة البنوة للأمميين الذين تنصروا ودخلوا عهد البنوة مع الله بعد أن كانوا عبيداً للخطية والشيطان"(۱).
إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا ..
وفي ظل القانون الروماني والثقافة الرومانية كان الابن بالتبني له كافة حقوق الابن الطبيعي، فهو ليس ابناً من الدرجة الثانية بل ابناً بكل ما تحمل الكلمة من معاني، ونحن إذ صرنا أبناء لله بالتبني صار لنا كافة حقوق البنوة، وشتان بين الابن والعبد:
(۱) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ۲۷۷