صفحة 280
٢٨٠
تفسير رسالة غلاطية
ثانياً: الأركان الضعيفة (غل ٤: ٨ - ١١):
"لكِنْ حِينَئِذٍ إِذْ كُنْتُمْ لاَ تَعْرِفُونَ اللهَ اسْتُعْبِدْتُمْ لِلَّذِينَ لَيْسُوا بِالطَّبِيعَةِ آلِهَةً. وَأَمَّا الآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ اللهَ بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضاً إِلَى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ الَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تَسْتَعْبِدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ. أَتَحْفَظُونَ أَيَّاماً وَشُهُوراً وَأَوْقَاتاً وَسِنِينَ. أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثاً" (غل ٤: ٨ - ١١).
هذه الفقرة تعتبر تذييلاً لما سبق، فما زال بولس الرسول يدور حول فكرة أن الناموس كان يمثل مرحلة مؤقتة في حياة البشرية، وكأن الإنسان خلاله يمثل طفلاً صغيراً عاجزاً يخضع لأوصياء ووكلاء. أما الحياة الكاملة الناضجة فهي المؤسسة على الإيمان بالمسيح.
ويقول "الخوري بولس الفغالي": "كتب هذا المقطع (غل ٤: ٨ - ٢٠) بلهجة الحنان، فدلَّ على اهتمامات بولس الأبوية، لقد تحيرت فيكم، إن هذا المقطع يبدو مناقضاً للتوبيخات القاسية التي قرأناها في (غل ٣: ١ - ٥)، وللبراهين التي لاحظناها في (غل ٣: ٦ - ٧). ذكر بولس الغلاطيين بأيام اندفاعهم نحوه: كيف استقبلوه، رغم مرضه، وكأنه ملاك الله. لقد شوه المتهودون مناخ الثقة بين المؤمنين ورسولهم، وها هو بولس يحاول أن يعيده في جو من المحبة" (١).
لكن حينئذٍ إذ كنتم لا تعرفون الله .. استخدم بولس الرسول "لكن" بكثرة للدلالة على الاستدراك أحياناً، أو للتعبير عن الانتقال من وجهة نظر إلى وجهة نظر أخرى كما هو الحال هنا، وهو يخاطب الغلاطيين لأنهم عاشوا كأمم بعيدين عن رعوية إسرائيل مثل أهل أفسس الذي قال لهم: "أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ لاَ رَجَاءَ لَكُمْ وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ" (أف ٢: ١٢)، وإنسان بلا مسيح فهو بلا شك بلا حياة: "قَالَ لَهُ يَسُوعُ أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو ١٤: ٦)، فبدون المسيح يفقد الإنسان الطريق التي يسلك فيها، وتمتلئ حياته بالزيف ويصبح مثل حي ميت، إذ هو بعيد عن مصدر الحياة، يعيش بحسب أهوائه وشهواته، ولذلك ينذر بولس الرسول أولاده حتى يعيشوا: "لاَ فِي هَوَى شَهْوَةٍ كَالْأُمَمِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ" (اتس ٤: ٥).
(١) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ١٧٠