صفحة 283
الأصحاح الرابع
— ۲۸۳ —
(إش ٤٤: ١٢ - ٢٧) (راجع أيضاً إش ٤: ١٨ - ٢٠) .. "فَشَدَّدَ النَّجَّارُ الصَّانِعُ، الصَّاقِلُ بِالْمِطْرَقَةِ الضَّارِبُ عَلَى السَّنْدَانِ قَائِلاً عَنِ الإِلْحَامِ هُوَ جَيِّدٌ. فَمَكَّنَهُ بِمَسَامِيرَ حَتَّى لاَ يَتَقَلْقَلْ" (إش ٤١: ٧) .. ووصف إرميا النبي عبادات الأمم قائلاً: "لأَنَّ فَرَائِضَ الأُمَمِ بَاطِلَةٌ. لأَنَّهَا شَجَرَةٌ يَقْطَعُونَهَا مِنَ الْوَعْرِ. صَنْعَةُ يَدَيْ نَجَّارٍ بِالْقَدُومِ. بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ يُزَيِّنُونَهَا وَبِالْمَسَامِيرِ وَالْمَطَارِقِ يُشَدِّدُونَهَا فَلاَ تَتَحَرَّكُ" (إر ١٠: ٣، ٤)، وقال بولس الرسول لأهل أثينا: "فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللَّهِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرٍ نَقْشِ صِنَاعَةٍ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ" (أع ١٧: ٢٩) .. أنها أصنام بكماء لا تتكلم ولا تسمع ولا تحس: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أُمَماً مُنْقَادِينَ إِلَى الأَوْثَانِ الْبُكْمِ كَمَا كُنْتُمْ تُسَاقُونَ" (١كو ١٢: ٢) .. "كَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا اللَّهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ" (١تس ١: ٩) .. هكذا كان حال هذه الشعوب التي كرز بها بولس الرسول وانتشلها من أعماق الجهالة والرذيلة إلى حرية مجد أولاد الله.
وأما الآن إذ عرفتم الله .. في الآية السابقة قال بولس الرسول "حِينَئِذٍ" معبراً عن حال الغلاطيين قبل معرفة الله، وفي هذه الآية يقول "وَأَمَّا الآنَ" معبراً عن حالهم بعد إيمانهم ببشارة الإنجيل ومعرفتهم لله، وشتان بين هذا الحال وذاك الحال، وما أعظم الفارق بين الجهل بالله وبين معرفته، بين الظلمة والنور، بين الحماقة والحكمة، بين حياة النجاسة وحياة القداسة، بين الكبرياء والتواضع، بين مملكة إبليس ومملكة الله .. "حِينَئِذٍ" أي فيما مضى حيث كان إبليس يعمل في هؤلاء الأمم: "الَّذِينَ فِيهِمْ إِلَهُ هَذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللَّهِ" (٢كو ٤: ٤). بينما الآن "فَإِنَّ اللَّهَ الَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللَّهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (٢كو ٤: ٦).
إذ عرفتم الله بل بالحري عرفتم من الله .. يعجز الإنسان بجهده البشري أن يعرف الله المعرفة الحقيقية، ولكن الله في ملء نعمته يعلن لنا ذاته ويعرفنا بنفسه، فالله هو صاحب المبادأة وهو الذي يُعرّف الإنسان بذاته، وهو الوحيد القادر أن ينقذه من سلطان الظلمة وينقله إلى ملكوت ابن محبته، ويهبه الميراث السمائي، ولهذا لا يجب أن نكف عن شكرنا له: "شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ. الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ