انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com
٢٨٤

تفسير رسالة غلاطية

سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ (كو ١: ١٢، ١٣)، وقبول الله للأمم كان سراً أعلنه الله لعبده بولس الذي كرس حياته وكل جهده من أجل إتمام قصد الله تجاه الأمم، فجَابَ البحار والأنهار والوديان وسلك الطرق المسلوكة وغير المسلوكة من أجل نشر هذا السر العجيب، إذ كان الله في انتظار العائدين إليه من كل قبيلة ولسان ولون وجنس، سواء يهوداً أو أمماً.

يقول "الخوري بولس الفغالي": "كنتم قديماً تعرفون الله .. هم يعرفون الله لأنهم يعرفون يسوع المسيح بالكرازة، ولكن حين يعرف الإنسان الله في يسوع المسيح، يجد نفسه موضوع مبادرة إلهية. لقد انقلبت الأدوار، فليس الإنسان هو الذي يطلب الله أولاً، بل هو الله يطلبه، يجده، يعرفه (اكو ٨: ٢، ٣ - ١٢: ١). نحن لسنا فقط أمام معرفة عقلية، بل أمام معرفة حميمة وشخصية (راجع فعل "عرف" في العهد القديم). وبعد أن عرف الغلاطيون الله، فكيف يعودون إلى "العناصر" الحقيرة (مستوخيا)"(١).

إِذْ عَرَفْتُمُ اللَّهَ بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللَّهِ .. بعد أن مدح بولس أهل غلاطية قائلاً لهم: "إِذْ عَرَفْتُمُ اللَّهَ" خاف عليهم من التفاخر والكبرياء، ولذلك سريعاً ما استدرك الأمر قائلاً: "بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللَّهِ" فلو لم يعرفهم الله بنفسه أولاً ما كانوا استطاعوا أن يعرفوه، ولو لم يبحث الله عن آدم بعد السقوط إذ افتقده وناداه ما كان التقى آدم به، ولولا نداءات النعمة القوية والمتكررة للخاطئ ما كان للخاطئ أن يتوب عن شروره وخطاياه، فالحقيقة أن الله هو الذي يعرف الإنسان ويحبه أولاً، فيمنح الإنسان القدرة على معرفته وعلى محبته إياه.

والفرق شاسع بين "عَرَفْتُمُ اللَّهَ" وبين "عُرِفْتُمْ مِنَ اللَّهِ"، فمثلاً قد تجد ملايين الناس يعرفون شخصاً مشهوراً مثل الأب البطريرك أو رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، أي يعرفون عنه بعض المعلومات، ولكن هناك أعداد محدودة يعرفهم هذا الشخص المرموق ويعرف عنهم، وعندما يلتقي بهم يناديهم بأسمائهم، ويطمئن على أحوالهم، والتشبيه مع الفارق، لأن الله يعرف كل الناس بلا استثناء ويعرف كل شيء عن كل إنسان، دواخله وخوارجه.

(١) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ١٧٢