صفحة 285
www.christianlib.com
— ٢٨٥ —
الأصحاح الرابع
ويقول "القمص تادرس يعقوب": "القول "عرفتم من الله" هو وصف للحياة المسيحية، فإن معرفة الله التي يتحدث عنها القديس بولس هنا تعني حبنا لله كاستجابة لمعرفتنا له، أي لحبه لنا (١كو ٨: ٢ - ٣). نحن نعرف الله أباً لنا خلال إتحادنا مع الابن في استحقاقات دمه المخلص، وثبوتنا في هذا الاتحاد. نحن نُعرف من الله بكوننا أبناءه المبررين. ويقول القديس باسيليوس الكبير: {الله يعرف الذين هم له. بمعنى يعرفهم خلال أعمالهم الصالحة (في المسيح). أنه يقبلهم في شركة عميقة معه}(١).
وأما الآن إذ عَرَفْتُمُ اللهَ بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ .. الفعل اليوناني المستخدم هنا للتعبير عن المعرفة لا يعني المعرفة السطحية، بل العلاقة الوثيقة، وهو نفس الفعل المستخدم للتعبير عن العلاقات الحميمة بين الزوجين: "وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ" (تك ٤: ١) (راجع الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية جـ ٩ - الرسالة إلى غلاطية ص ٥٩، والتفسير الحديث للكتاب المقدس)، فالقديس بولس يريد أن يقول لأولاده أنكم عرفتم الله ليست معرفة المعلومات، بل إذ أحببتم الله وآمنتم به حينئذ قد عرفتم الله، والله عرفكم، وهذا يشبه قوله لأهل كورنثوس: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُحِبُّ اللهَ، فَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ" (١كو ٨: ٣).
وليس معنى هذا أن الذي لا يحب الله أن الله لا يعرفه، ولكن المقصود هنا المعرفة الاختبارية، فبينه وبين الله مشاعر الحب والود والعشرة، وقد أرضى الله بإيمانه القويم وتصرفه الحسن، فهو ليس مثل العذارى الجاهلات اللاتي سمعن صوت الحق الإلهي: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ" (مت ٢٥: ١٢). إنما مثل العذارى الحكيمات: "يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ" (٢تي ٢: ١٩)، ومعرفة الله الاختبارية تنمو يوماً في إطراد مستمر: "الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ" (١كو ١٣: ١٢).
فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضاً إِلَى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ .. سبق الحديث عن الأركان الضعيفة، وهي الأركان البدائية في المعرفة مثل الحروف الأبجدية التي تمثل المعرفة الابتدائية للغة، فكل حرف بمفرده لا يعطي معنى، وأيضاً وضع الحرف في مكانه الخاطئ لا يعطي المعنى المقصود، فالأركان الضعيفة هي بمثابة الألف باء بالنسبة للجملة المفيدة، والرجوع للأركان الضعيفة الفقيرة أشبه بالكاتب الماهر الذي يشتهي العودة إلى الدرس الأول
(١) رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٦٠