صفحة 291
٢٩١
الأصحاح الرابع
"ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تُفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح (٢كو ١١ : ٣).
وقول بولس الرسول: "تعبت فيكم" إشارة للعمل الجاد الشاق والجهد الجبار الذي كان يبذله في الخدمة ليل نهار في أسفار وأخطار وسجون وضرب وجلد ورجم: "في تعب وكد، في أسهار مراراً كثيرة في جوع وعطش في أصوام مراراً كثيرة في برد وعري" (٢كو ١١ : ٢٧)، فهل بعد هذا يأتي عدو الخير ويختطفهم من يده؟!
والفعل المستخدم هنا "تعبت" هو نفس الفعل الذي استخدمه بولس الرسول في نهاية رسالته: "لا يُجلب أحد علي أتعاباً"، فالمقصود بالأتعاب الأعمال الرديئة التي تُرهق الرسول وتتعبه، وقول بولس الرسول "عبثاً" أي بلا فائدة ولا طائل من ورائها، مع أن كلمة الله لا ترجع فارغة كقول الرب: "بذاتي أقسمتُ خرجَ من فمي الصدقُ كلمةٌ لا ترجع" (إش ٤٥ : ٢٣) .. "لأنه كما يَنزِلُ المطرُ والثَّلجُ من السماءِ ولا يَرجِعانِ إلى هُناكَ بل يُرويانِ الأرضَ ويَجعلانِها تَلِدُ وتُنبِتُ وتُعطي زَرعاً للزارعِ وخُبزاً للآكلِ. هكذا تكونُ كلمتي التي تخرُجُ من فمي. لا ترجعُ إليَّ فارغةً بل تعملُ ما سُررتُ بهِ وتَنجَحُ في ما أرسلتُها لهُ" (إش ٥٥ : ١٠، ١١).
أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثاً .. ومن قبل أشار للآلام التي عاناها أهل غلاطية وسألهم: "أهذا المقدار احتملتم عبثاً إن كان عبثاً" (غل ٣ : ٤) .. فقد رأى بولس الرسول رجوع الغلاطيين للختان نوع من العبث ولذلك قال لهم: "ها أنا بولس أقول لكم إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئاً .. قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة" (غل ٥ : ٢، ٤) وهنا نلاحظ أن بولس الرسول يترك جانباً أسلوب المحاججة والإقناع العقلي، ويتحدث مع الغلاطيين بعاطفة الأب لأولاده، فيقول لهم: "أخاف عليكم"، وهكذا قال بولس الرسول لأهل تسالونيكي: "مِنْ أَجْلِ هَذَا إِذْ لَمْ أَحْتَمِلْ أَيْضاً أَرْسَلْتُ لِكَيْ أَعْرِفَ إِيمَانَكُمْ لَعَلَّ الْمُجَرِّبَ يَكُونُ قَدْ جَرَّبَكُمْ، فَيَصِيرَ تَعَبُنَا بَاطِلاً" (اتس ٥ : ٣).