صفحة 293
الأصحاح الرابع
نبرات صوته من التعنيف والتوبيخ في الرسالة إلى الحنو والشفقة، لأنه بالحقيقة هو متحيّر بأي أسلوب يخاطبهم؟!
ويقول "الأب متى المسكين": "موقف جديد للقديس بولس بالنسبة للغلاطيين الذين أخطأوا في إيمانهم بالمسيح بمحاولة النكوص نحو الناموس، وأخطأوا في حق ق. بولس الذي بشرهم بالإيمان الصحيح، يُقدّم لهم بالرغم من ذلك أرق مشاعر الكارز الخادم. فهو بعد أن طرح أمامهم عيوبهم، عاد يتودّد إلى قلوبهم بصورة أبوية منقطعة النظير، فهو يقول لهم بما يعني أنا أحبكم أرجوكم أن تحبوني!! أنا أصفح عن كل أخطائكم لماذا تمسكون عليَّ أخطاء لا وجود لها، سامحوني كما أنا أسامحكم!"(۱).
"أَتَضَرَّعُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُونُوا كَمَا أَنَا لأَنِّي أَنَا أَيْضاً كَمَا أَنْتُمْ. لَمْ تَظْلِمُونِي شَيْئاً"
(غل ٤ : ١٢).
أَتَضَرَّعُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ .. تارة يُعنّف بولس الرسول أولاده الغلاطيين واصفاً إياهم بالغباء منتقداً تصرّفهم غير الحكيم (غل ٣ : ١ ، ٣)، وتارة يصفهم بالإخوة متضرعاً لهم ليستجيبوا لندائه، فهو يستخدم كل من الشدة واللين، ويوازن بين التوبيخ والتشجيع ليكسب على كل حال قوماً، وليجذب قلوبهم لمعرفة الحق، وهكذا قال لأهل كورنثوس: "مَاذَا تُرِيدُونَ أَبِصَا آتِي إِلَيْكُمْ أَمْ بِالْمَحَبَّةِ وَرُوحِ الْوَدَاعَةِ" (١كو ٤ : ٢١).
أَتَضَرَّعُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ .. تذكّر أن البعض في كنائس غلاطية كان ينتقد بولس ويهاجمه. ولكن لاحظ عدة حقائق هامة:
١ - دعاهم بولس إخوة: لم يعاملهم كأعداء، ولا حتى كخصوم، لم يتذمّر، أو يتضايق، أو يشكو، أو حتى يهاجمهم. ما حدث كان على النقيض من ذلك تماماً، لقد تفهمهم وعبّر عن عاطفة المحبة الأخوية من نحوهم.
٢ - لقد تضرّع إليهم، أي أنه لم يأمرهم أو يعلمهم، ولكنه كان يتوسّل ويتضرّع من قلب خادم أمين لله.
(۱) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ١٨٤