صفحة 297
— ۲۹۷ —
الأصحاح الرابع
محبته كأخ لهم مؤكداً بأنه ليس في قلبه إلا "المحبة الأخوية" فإنهم لم يظلموه شيئاً، فليس ما يدعو إلى الكراهية أو العداوة. هذا دليل سلبي ثم يأتي بعده بدليل إيجابي (۱).
"وَلَكِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي بِضَعْفِ الْجَسَدِ بَشَّرْتُكُمْ فِي الأَوَّلِ. وَتَجْرِبَتِي الَّتِي فِي جَسَدِي لَمْ تَزْدَرُوا بِهَا وَلاَ كَرِهْتُمُوهَا بَلْ كَمَلاَكِ اللَّهِ قَبِلْتُمُونِي كَالْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غل ٤: ١٣، ١٤). ولكنكم تعلمون أني بضعف الجسد بشرتكم في الأول .. يستخدم الله الضعفاء والفقراء والمحتاجين ليظهر مجده فيهم: "بَلِ اخْتَارَ اللَّهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللَّهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللَّهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ" (١كو ١: ٢٧، ٢٨)، فبينما كان بولس الرسول يبشر الغلاطيين بالإنجيل أصيب بمرض عضال كان يسبب نفور الناس منه، ورغم ذلك فإن الغلاطيين أحبوه من كل قلوبهم بصدق لأنهم رأوا فيه نقاء السماء وصورة المسيح، والحقيقة أنه بسبب كثرة الاستعلانات والرؤى التي تمتع بها بولس الرسول، فقد أُعطي شوكة في الجسد حتى لا يسقط في الكبرياء، وطالما تضرع لله ليشافيه فقال له الرب: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ" (٢كو ١٢: ٩). وإن كان لا أحد يعرف على وجه الدقة ما هي هذه الشوكة التي أصابت بولس الرسول لذلك خمنوا عدة تخمينات:
١- إنها الاضطهادات التي عانى منها، ولذلك قال في نفس الموضع: "لِذَلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ" (٢كو ١٢: ١٠).
٢- إنها ضعف في الكلام والخطابة ومحادثة الآخرين، ولهذا قال: "لِئَلاَّ أُظْهِرَ كَأَنِّي أُخِيفُكُمْ بِالرَّسَائِلِ. لأَنَّهُ يَقُولُ الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ. مِثْلُ هَذَا فَلْيَحْسِبْ هَذَا أَنَّنَا كَمَا نَحْنُ فِي الْكَلاَمِ بِالرَّسَائِلِ وَنَحْنُ غَائِبُونَ هَكَذَا نَكُونُ أَيْضاً بِالْفِعْلِ وَنَحْنُ حَاضِرُونَ" (٢كو ١٠: ٩ - ١١). "وَإِنْ كُنْتُ عَامِيّاً فِي الْكَلاَمِ، فَلَسْتُ فِي الْعِلْمِ بَلْ نَحْنُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرُونَ لَكُمْ بَيْنَ الْجَمِيعِ" (٢كو ١١: ٦).
(۱) شرح رسالة غلاطية ص ۳۷۲