صفحة 304
تفسير رسالة غلاطية
ويقول "فؤاد حبيب": "يُشير الرسول هنا إلى ما حدث في زيارة ثانية كشف فيها مبادئ المنادين بالتهوّد، ويتساءل متعجباً، أفقد صرتُ عدواً لكم لأني كلمتكم بكلمات الصدق والصحو؟!"
(١) العداوة التي نشأت بسبب التكلم بالحق تدل على حيدان عظيم عن الحق: والذي يتكلم بالحق قد يكون نصيبه البغضة لأنه يسبب الألم لمستمعيه، لكن الألم يكشف عن وجود خطأ دفين، والناس عادة يكرهون الذين يعلمون بأخطائهم.
(٢) الذي يكلمنا بالحق هو أعظم وأخلص صديق (أم ١٧ : ٦).
(٣) شجاعة الرسول وتضحياته: لم يتأخر عن أن يخبر الغلاطيين بالحق حتى لو كان ذلك على حساب الصداقة الشخصية. إن الخلاص الذي يعلنه الإنجيل لا يمكن التضحية به بأي ثمن، وهذا الخلاص معلق على الحق الإلهي، ولا يمكن خيانة الحق أو التضحية بالخلاص.
(٤) إن كان إعلان الحق يعرضنا لعداوة الناس فلا يهم: لكن ما يهمنا بالدرجة الأولى أن نكون مرضيين عند الله "أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ شَيْءٍ عِنْدِي أَنْ يُحْكَمَ فِي مِنْكُمْ أَوْ مِنْ يَوْمِ بَشَرٍ" (١كو ٤ : ٣).
(٥) لقد رأى الرسول أنهم قد يرجعون إلى صوابهم: عندما يتكشفون أنه وهو الصديق قد تحوّل في عيونهم إلى عدو ليس لأي شيء إلا لأنه قد كلمهم بالحق" (١).
"يُغَارُونَ لَكُمْ لَيْسَ حَسَنًا بَلْ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّوكُمْ لِكَيْ تَغَارُوا لَهُمْ. حَسَنَةٌ هِيَ الْغَيْرَةُ فِي الْحُسْنَى كُلَّ حِينٍ وَلَيْسَ حِينَ حُضُورِي عِنْدَكُمْ فَقَطْ" (غل ٤ : ١٧، ١٨).
يُغَارُونَ لَكُمْ لَيْسَ حَسَنًا .. من هم الذين يغارون؟ .. أنهم المتهودون الذين استطاعوا أن يخدعوا قلوب الغلاطيين ويفسدوا إيمانهم القويم، وقد أقنعوهم بضرورة الختان وتتميم وصايا وأحكام وفرائض الناموس من أجل خلاصهم، وبذلك عادوا بهم إلى الأركان الضعيفة الفقيرة، وشتان بين كرازة هؤلاء المتهودين وكرازة بولس، فكرازة المتهودين اختلطت بالأنانية والغيرة الخاطئة، بينما كان بولس صادقاً وأميناً في كرازته، وكان هدف المتهودين مجد
(١) كنوز المعرفة - الرسالة إلى غلاطية ص ١١٨