صفحة 309
الأصحاح الرابع
المخاض ساعات صعبة وقاسية تقاسيها المرأة وهي تلد، ولكنها عندما تلد تنسى هذه الآلام: "الْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ" (يو ١٦: ٢١).
ويقول "الدكتور القس غبريال رزق الله": "الكنيسة، في خُدَّامها الأمناء وعامليها الأتقياء، تقاسي في طريق ولادتها "لأبناء المجد" آلاماً لا تُطاق، عبّر عنها الرسول نفسه قائلاً: في تعب وكد. في أسهار مراراً كثيرة. في جوع وعطش. في أصوام مراراً كثيرة. في برد وعُري. عدا ما هو دون ذلك. التراكم على كل يوم. الاهتمام بجميع الكنائس. مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ. مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ" (٢كو ١١: ٢٧-٢٩). أحشاء تتحرك متمخضة وهي تتوجع لأنها أحشاء رأفات (كو ٣: ١٢) هي ذات الأحشاء التي أنشد بها زكريا الكاهن قائلاً: "بِأَحْشَاءِ رَحْمَةٍ إِلَهِنَا الَّتِي بِهَا افْتَقَدَنَا الْمُشْرِقُ مِنْ الْعَلاَءِ" (لو ١: ٧٨). وهل يمكن أن أحشاء الرحمة والرأفات لا تتحرك متوجعة ومتمخضة لأجل أولادها الذين تراهم منحدرين في طريق الارتداد والاستعباد"(١).
يا أولادي الذين أتمخض بكم .. الخادم الحقيقي ينظر لمخدوميه سواء المريحين أو المتعبين على أنهم أولاده الأعزاء، ليس لديه أي استعداد للتضحية بأي أحد منهم، يفرح لفرحهم ويتألم لآلامهم، ويسهر لحراستهم، فقد ولدهم للمسيح عندما قبلوا الإيمان بالمسيح، وعندما يضلون يعود ويتمخض بهم ثانية إلى أن تظهر صورة المسيح واضحة فيهم.
ويقول "متى هنري": "في هذين العددين (ع ١٩، ٢٠) يُعتبر الرسول عن مشاعره من نحوهم إذ لم يكن مثلهم، فهم يكونون في حالة معينة (من الفرح) عندما يكون هو معهم، وفي أخرى (فَاتِرَة) إذا ما افترق عنهم، كما أنه ليس كمعلميهم الكذبة الذين طالما أظهروا لهم مشاعر عظيمة، ولكنه في ذات الوقت كانوا يهدفون مصلحتهم منها. وهو يخاطبهم بأنهم أولاده، ولكنه في الحقيقة قد دعاهم أطفاله وذلك لأنهم تصرفوا معه ما أظهروهم بأنهم مثل الأطفال، وبالرغم من هذا فقد عبّر عن عظيم اهتمامه بهم، إذ كان يتمخض بهم إلى أن يتصور المسيح فيهم. أي حتى يكونون مسيحيين حقيقيين. من كل هذا نلاحظ:
(١) شرح رسالة غلاطية ص ٣٨٧