صفحة 311
— ۳۱۱ —
الأصحاح الرابع
وَفَرَحُنَا وَإِكْلِيلُ افْتِخَارِنَا. أَمْ لَسْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا أَمَامَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ. لِأَنَّكُمْ أَنْتُمْ مَجْدُنَا وَفَرَحُنَا" (اتس ٢: ١٩، ٢٠).
وَلَكِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ حَاضِراً عِنْدَكُمْ .. هذه رغبة القديس بولس أن يكون حاضراً وسط أولاده في غلاطية ليتكلم معهم فما لَمْ عوضاً عن الكتابة لهم، يتفاهم معهم في جميع مشاكلهم ويحل لهم كل الصعوبات التي تعترض حياتهم الروحية، يحنو أو يقسو عليهم بحسب طبيعة حالهم، كقوله لأهل كورنثوس: "مَاذَا تُرِيدُونَ. أَبِعَصًا آتِي إِلَيْكُمْ أَمْ بِالْمَحَبَّةِ وَرُوحِ الْوَدَاعَةِ" (١كو ٤: ٢١).
وَأُغَيِّرُ صَوْتِي لِأَنِّي مُتَحَيِّرٌ فِيكُمْ .. أي أغير نبرة صوتي وطريقة حديثي معكم، فأتحدث إليكم بلطف وحنو عوضاً عن التوبيخ الصارم، لأنني في الحقيقة إني متحير بأي أسلوب أخاطبكم وقد انتقلتم سريعاً من الإنجيل الذي بشرتكم به إلى إنجيل آخر، ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "لم يستطع الرسول أن يكتم مشاعره، وهذه طبيعة المحبة لقد رغب أن يكون حاضراً في وسطهم ليتمكن من تغيير صوته برثاء وبكاء وأنين بسبب ما حدث. كما أنه متحير فيهم: ماذا يقول وكيف يفكر؟ كيف أن الذين قبلوا الكلمة في أخطار كثيرة وأثمرت فيهم بالمعجزات التي رفعتهم إلى السماء يسقطون هكذا فجأة إلى أعماق الانحلال فيرتبطون بالختان والسبت معتمدين وواثقين في أولئك اليهود؟ وحين يفاجئ الإنسان بحيرة غير متوقعة يجهش بالبكاء، لهذا يقول الرسول لأساقفة أفسس: "ثَلاثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعِ كُلِّ وَاحِدٍ" (أع ٢٠: ٣١) وهكذا أفحمهم بولس بالأدلة، ثم شجعهم ثم بكى! ولما لانت قلوبهم بدموعه عاد إلى المناقشة يكملها بجرأة أكثر مؤكداً أن الناموس يحمل في نفسه أدلة عجزه، وإننا حين نتركه فنحن في الحقيقة نطيعه"(١).
لِأَنِّي مُتَحَيِّرٌ فِيكُمْ .. فلا أعرف رد فعلكم على رسالتي هذه ومدى اقتناعكم بما جاء فيها من حوارات وأدلة، هل هي كافية أم أنكم مرتابين فيها فتحتاجون للمزيد، ولو كنت عندكم لعرفت رد فعلكم ولغيرت لهجتي، فإن كنتم تطيعون فأنتم تستحقون الحنو واللطف والتشجيع، أما إن كنتم متكبرون وتتمسكون بأفكار المتهودين فأنتم تحتاجون للمزيد من التقريع والتوبيخ، ويقول "ماكدونل": "إن بولس كان متحيراً بالنسبة لموقف الغلاطيين
(١) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٤٠، ٤١