صفحة 317
— ٣١٧ —
الأصحاح الرابع
لو أصغى هؤلاء المتهودين للناموس لسمعوه يقول لهم: "أتركوني واذهبوا وراء المسيح، فقد جئت لأهيئ البشرية لقبول المسيا الفادي.
كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. كان اسم إبراهيم أولاً "أبرام" أي أب عظيم القدر رفيع المقام، وبعد أن قطع الله معه العهد دعاه "إبراهيم" أي "أباً لجمهور من الأمم" (تك ١٧ : ٤)، وبسبب عقورية زوجته سارة طلبت منه أن يتزوج بجاريتها هاجر: "هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلادَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ" (تك ١٦ : ٢)، وكان هذا أمر متعارف عليه في ذلك الزمان، وهذا واضح جداً في شريعة حمورابي التي عُرفت في عصر إبراهيم، فولدت هاجر "إسماعيل" وكان عمر أبرام نحو ستة وثمانين سنة: "فَوَلَدَتْ هَاجَرُ لأَبْرَامَ ابْناً. وَدَعَا أَبْرَامُ اسْمَ ابْنِهِ الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ" (تك ١٦ : ١٥)، وظن أن هذا هو النسل الموعود به من قبل الله، ولكن كان لله رأي آخر، فأكد له أن النسل سيأتي من زوجته سارة، وبطريقة معجزية ولدت سارة إسحق ابن الموعد ولها من العمر تسعين عاماً وعمر زوجها مائة عام: "وَافْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ كَمَا قَالَ. وَفَعَلَ الرَّبُّ لِسَارَةَ كَمَا تَكَلَّمَ .. وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ابْنِهِ الْمَوْلُودِ لَهُ الَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ سَارَةُ إِسْحَقَ" (تك ٢١ : ١، ٣).
لكن الذي من الجارية وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ ..
من الناحية البيولوجية ليس هناك أي فرق بين ولادة إسماعيل وولادة إسحق، بل أنهما وُلدا من أب واحد .. إذاً ما هو قصد بولس الرسول من قوله أن إسماعيل وُلِدَ حسب الجسد؟ .. أي أنه وُلِدَ ولادة طبيعية عادية بحسب الطبيعة البشرية، أما ولادة إسحق فكانت بحسب القدرة الإلهية بطريقة معجزية إذ كيف لزوجة في سن التسعين أن تنجب وقد انقطعت عنها عادة النساء؟! .. وُلِدَ إسماعيل بمشورة جسدية وهي مشورة سارة، ولم يكن هو النسل الموعود به: "وَلاَ لأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعاً أَوْلاَدٌ. بَلْ بِإِسْحَقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللَّهِ بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلاً" (رو ٩ : ٧، ٨)، وكما قال الإنجيل: "الَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ بَلْ مِنَ اللَّهِ" (يو ١ : ١٣) هكذا كانت ولادة إسحق.