صفحة 322
www.christianlib.com
- ٣٢٢
تفسير رسالة غلاطية
ويقول "الأب متى المسكين": "فأنظر عزيزي القارئ كيف تتحول هذه الحوادث المسجلة في حينها إلى رموز والرموز إلى حقائق تمسنا نحن من القريب ومن البعيد، إذ لا تخلو حياتنا من "هاجر" - أو الناموس الوالد للعبودية - فالميل إلى العبودية والالتصاق بها تحت وطأة الشهوات أو المظاهر أو الأباطيل أو العادات أو الأعمال التي تسلب الإرادة، هو عنصر لايزال ينخر في عظام الكثيرين"(١).
أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر .. "جبل سيناء" هو "جبل الله حوريب" (خر ٣ : ١) ودُعي "جبل الله" لأن الله ظهر فيه لموسى من خلال العليقة المشتعلة بالنار، ولكن كيف يلد "جبل الله" العبودية؟! .. لقد دعي هذا الجبل والد للعبودية:
١- نظراً للتحذير الذي حذره الله لموسى عندما مال لينظر ذاك المنظر العجيب، عليقة خضراء تشتعل فيها النيران ولا تحترق، وإذ بصوت الله ينادي: "مُوسَى مُوسَى .. لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى هَهُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ" (خر ٣ : ٤، ٥)، كما حذر الله الشعب من الاقتراب للجبل قائلاً لموسى: "وَتُقِيمُ لِلشَّعْبِ حُدُودًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، قَائِلاً احْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْعَدُوا إِلَى الْجَبَلِ أَوْ تَمَسُّوا طَرَفَهُ. كُلُّ مَنْ يَمَسُّ الْجَبَلَ يُقْتَلُ قَتْلاً. لاَ تَمَسُّهُ يَدٌ بَلْ يُرْجَمُ رَجْمًا أَوْ يُرْمَى رَمْيًا. بَهِيمَةً كَانَ أَمْ إِنْسَانًا لاَ يَعِيشُ" (خر ١٩ : ١٢، ١٣).
٢- نظراً للرغبة والرعدة اللتان سقطتا على الشعب حتى قالوا لموسى: "وَأَمَّا الآنَ فَلِمَاذَا نَمُوتُ. لأَنَّ هَذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ تَأْكُلُنَا. إِنْ عُدْنَا نَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلَهِنَا أَيْضًا نَمُوتُ. لأَنَّهُ مَنْ هُوَ مِنْ جَمِيعِ الْبَشَرِ الَّذِي سَمِعَ صَوْتَ اللَّهِ الْحَيِّ يَتَكَلَّمُ مِنْ وَسَطِ النَّارِ مِثْلَنَا وَعَاشَ" (تث ٥ : ٢٥ - ٢٧)، وقال بولس الرسول: "وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ" (عب ٢ : ١٥).
وقوله "الَّذِي هُوَ هَاجَرُ" أي أن جبل سيناء مسقط رأس الناموس الوالد للعبودية يماثل هاجر الجارية، وكما أن هاجر لم تتزوج بعد أن تركت بيت سيدها، هكذا الناموس الذي أعطي لبني إسرائيل لفترة مؤقتة لم يُعطِ لشعب آخر، فتمسك المتهودين به هو في الحقيقة ضد خطة الله وإرادته.
(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٣٠٥