صفحة 328
تفسير رسالة غلاطية
فَإِنَّ أَوْلَادَ الْمُوحِشَةِ أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ .. الْمَرْأَةُ الْمُوحِشَةُ الَّتِي افْتَقَدَتِ الْأَوْلَادَ، وَرُبَّمَا هَجَرَهَا زَوْجُهَا أَيْضًا صَارَ لَهَا أَوْلَادٌ كَثِيرُونَ فَانْدَهَشَتْ وَذُهِلَتْ: "فَتَقُولِينَ فِي قَلْبِكِ مَنْ وَلَدَ لِي هَؤُلَاءِ وَأَنَا ثَكْلَى وَعَاقِرٌ مَنْفِيَّةٌ وَمَطْرُودَةٌ وَهَؤُلَاءِ مِنْ رَبّاهُمْ. هَأَنَذَا كُنْتُ مَتْرُوكَةً وَحْدِي. هَؤُلَاءِ أَيْنَ كَانُوا" (إش ٤٩ : ٢١)، فَأَوْلَادُ الْأُمَمِ صَارَ لَهُمْ مَكَانًا فِي أُورُشَلِيمَ السَّمَائِيَّةِ: "بَعْدَ هَذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ مِنْ كُلِّ الْأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالْأَلْسِنَةِ وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ" (رؤ ٧ : ٩)، وَكَثِيرَةٌ هِيَ النُّبُوَّاتُ عَنْ رُجُوعِ الْأُمَمِ لِلرَّبِّ، وَعِنْدَمَا أَدْرَكَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَصْلٍ يَهُودِيٍّ ذَلِكَ ابْتَهَجُوا وَمَجَّدُوا اسْمَ اللَّهِ، أَمَّا الْمُتَهَوِّدُونَ فَقَدْ أَعْثَرُوا فِي هَذَا، فَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ الْأُمَمَ يَعُودُونَ لِلْإِيمَانِ الْيَهُودِيِّ وَالْخِتَانِ وَحِفْظِ النَّامُوسِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُؤْمِنُونَ بِالْمَسِيحِ ثَانِيًا، وَبِهَذَا تَصِيرُ الْمَسِيحِيَّةُ مُجَرَّدَ شِيعَةٍ يَهُودِيَّةٍ لَا أَكْثَرَ.
"وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ أَوْلَادَ الْمَوْعِدِ. وَلَكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ هَكَذَا الْآنَ أَيْضًا. لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ. اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ" (غل ٤ : ٢٨ - ٣٠).
في هذه الآيات يضع بولس الرسول الختام التطبيقي (غل ٤ : ٢٨ - ٣٠).
وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ أَوْلَادَ الْمَوْعِدِ .. وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ سَوَاءٌ كُنَّا أُمَمًا أَمْ يَهُودًا مَا دُمْنَا آمَنَّا بِالْمَسِيحِ فَنَحْنُ نَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَيْ مِثْلُ إِسْحَاقَ ابْنِ الْمَوْعِدِ وَابْنِ الْحُرِّيَّةِ، وَلِدْنَا بِطَرِيقَةٍ تَفُوقُ الطَّبِيعَةَ، وَقَدْ أَشَارَ بولس الرسول مِنْ قَبْلُ لِإِسْحَاقَ دُونَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ عِنْدَمَا قَالَ: "كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ وَالْآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ" (غل ٤ : ٢٢)،
أَمَّا الْآنَ فَإِنَّهُ يَذْكُرُهُ بِالاسْمِ، لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُؤَكِّدَ أَنَّنَا صِرْنَا نُظَرَاءَهُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ يُعْتَبَرُ ابْنًا لِإِبْرَاهِيمَ وَلَهُ حَقُّ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ أَوْلَادٌ مِنْ قَطُورَةَ بِجِوَارِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَكِنْ لَا وَاحِدَ مِنْهُمْ وَرِثَ مَعَ إِسْحَاقَ، وَهَذَا مَا أَوْضَحَهُ بولس الرسول فِي رِسَالَتِهِ إِلَى رُومِيَةَ: "لِأَنَّ لَيْسَ جَمِيعَ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ. وَلَا لِأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعًا أَوْلَادٌ. بَلْ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. أَيْ لَيْسَ أَوْلَادُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلَادَ اللَّهِ بَلْ أَوْلَادُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلًا" (رو ٩ : ٦ - ٨). فَمِنَ الْقِصَّةِ الَّتِي سَاقَهَا بولس الرسول عَنْ إِبْرَاهِيمَ