صفحة 329
— ٣٢٩ —
الأصحاح الرابع
وزوجتيه وابنيه إسماعيل ابن الجارية وإسحق ابن الحرة كان من الطبيعي أن يسألهم: ماذا تريدون أن تكونوا: أبناء العبودية نظير إسماعيل، أم أبناء الحرية نظير إسحق؟ .. أراد أن يقول للمتمسكين بالختان والناموس أنكم بهذا لن تكونوا نظير إسحق ابن الحرة، بل نظير إسماعيل ابن الجارية ابن العبودية، ولا نظن أن أحداً من الغلاطيين يريد أن يكون عبداً بدلاً من أن يكون حراً .. لقد استعمل القديس بولس كل طريقة وطريقة لينقذ أولاده من بدعة التهود، تارة يقسو عليهم وتارة يخاطبهم بأسلوب رقيق مملوء بالثقة، حتى يذيب قلوبهم التي تقست بفعل هؤلاء المعلمين الكذبة.
وأما نَحْنُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَقَ أَوْلَادُ الْمَوْعِدِ .. عقب شفاء الأعرج من بطن أمه قال بطرس الرسول لليهود أنهم بنو الأنبياء ونسل إبراهيم: "أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الأَنْبِيَاءِ وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللَّهُ آبَاءَنَا قَائِلًا لإِبْرَاهِيمَ وَبِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (أع ٣: ٢٥)، وقال بولس الرسول أن السالكين بالإيمان هم أبناء الموعد، أبناء إبراهيم: "أَيْ لَيْسَ أَوْلَادُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلَادُ اللَّهِ بَلْ أَوْلَادُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلًا" (رو ٩: ٨) فالذين آمنوا بالمسيح هم الذين يُحسبون أولاد الموعد حتى لو كانوا من الأمم: "فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ" (غل ٣: ٢٩)، وبهذا أثبت بولس الرسول للغلاطيين الأمميين أنهم من نسل إبراهيم ما دام لهم إيمان إبراهيم، وفي هذه الفقرة يؤكد لهم أيضاً أنهم نسل سارة الحرة.
وَلَكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ .. عندما حبلت هاجر صارت تحتقر سارة: "فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرْتُ فِي عَيْنَيْهَا" (تك ١٦: ٥)، وعندما وُلد إسحق صار إسماعيل يحتقره ولا سيما أنه صار هو الوارث الحقيقي لميراث إبراهيم أبيه عوضاً عنه، فكان يمازح إسحق ويضايقه: "وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ" (تك ٢١: ٩) وكان مزاح إسماعيل مع إسحق مزاحاً سخيفاً ممتزجاً بالاستهزاء والسخرية، بل أنه كان يصوب السهام نحوه مما كان يمثل خطورة على حياة إسحق، ويقول "الْقَمَصِ تَادْرَسِ يَعْقُوبَ": "يقرر النص العبري لسفر التكوين (٢١: ١٠) إن إسماعيل كان يمزح مع إسحق، وقد جاء في التفسير الحاخامي لسفر التكوين الذي لربا Rabbah إن الكلمة العبرية التي ترجمت "يَمْزَحُ"، أو يداعب أو يضحك "تحمل معنى