صفحة 331
الأصحاح الرابع
كُنْتُ بَعْدُ أَكْرِزُ بِالْخِتَانِ فَلِمَاذَا أُضْطَهِدُ بَعْدُ" (غل ٥: ١١)، وما زال للآن المولودون بحسب الجسد يضطهدون المولودين بحسب الروح، من جيل إلى جيل، ما زال قايين السالك بحسب الجسد يذبح أخيه هابيل السالك بالروح، وما زالت النفوس تحت المذبح تصرخ وتئن: "حَتَّى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ الْقُدُّوسُ وَالْحَقُّ لَا تَقْضِي وَتَنْتَقِمُ لِدِمَائِنَا مِنَ السَّاكِنِينَ عَلَى الْأَرْضِ. فَأُعْطُوا كُلُّ وَاحِدٍ ثِيَاباً بِيضاً وَقِيلَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَرِيحُوا زَمَاناً يَسِيراً أَيْضاً حَتَّى يَكْمَلَ الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ وَإِخْوَتُهُمْ أَيْضاً الْعَتِيدُونَ أَنْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُمْ" (رؤ ٦: ١٠، ١١)، وهكذا في كل زمان لأن "جَمِيعَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهِدُونَ" (٢تي ٣: ١٢).
(١٢) أما نحن السالكين بحسب الروح فيجب أن نتفهم القضية ونرضى عن طيب خاطر بهذه الآلام، نتحملها بصبر ونشكر الله عليها.
ويقول "الأب متى المسكين": "والاضطهاد الذي نذوقه في حياتنا اليومية هو ثمن لتحيزنا لله ولما هو روحي وسمائي وكل ما يرضي الله. وأما الموت والاستشهاد فهو تقرير ختامي ونهائي من جهة العالم أننا لسنا للأرض نعيش ولا بحسب الجسد نسلك.
ولكن أن أحزننا الاضطهاد ورفضته نفوسنا وتمرّدت عليه وشكونا وعلا أنيننا وصراخنا، فهذا يعني بكل المعنى أننا نرفض نصيبنا السمائي وننكر أننا "وُلدنا حسب الروح وحسب الروح نسلك، بل وأننا نطلب أن نتساوى مع المولودين حسب الجسد وحسب الجسد نطلب المجازاة"(١).
لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ .. قال بولس الرسول من قبل: "وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى" قاصداً رب الكتاب وصاحبه، كما قال: "أَلَسْتُمْ تَسْمَعُونَ النَّامُوسَ" قاصداً ما قاله الله في الناموس، والآن يقول: "مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ" قاصداً ماذا يقول الله في الكتاب، وهنا يرسي معلمنا بولس مبدأ روحي هام، وهو أن يكون مرجعنا الأول هو الكتاب الصادق الأمين الموحى به من الله، فهو الذي يرسم لنا الطريق للملكوت.
اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا .. عندما رأت سارة إسماعيل يمزح مع إسحق ويضايقه طلبت من زوجها أن يطرد هاجر وابنها: "فَإِنَّ سَارَةَ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لِإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ. فَقَالَتْ لِإِبْرَاهِيمَ اطْرُدْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا لِأَنَّ ابْنَ هَذِهِ الْجَارِيَةِ لَا يَرِثُ مَعَ ابْنِي"
(۱) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٣٠٩