صفحة 344
تفسير رسالة غلاطية
إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لَا يَنْفَعْكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا ..
وقوله "إِنِ اخْتَتَنْتُمْ" يوضح أن الغلاطيين لم يختتنوا بعد، وإن كانوا في طريقهم لهذا الختان بعد أن أضلهم المتهودون، فهو يكلمهم بصيغة الحاضر "إِنِ اخْتَتَنْتُمْ"، ولم يكلمهم بصيغة الماضي: "إن كنتم قد اختتنتم"، فينبغي أن الأممي الذي يجيء للمسيح أن لا يسعى للختان، واليهودي المختتن إذا جاء للمسيح لا يسعى لإزالة علامة الختان كما تشبه اليهود بالأمم وفعلوا هكذا في عصر المكابيين: "ابْتَنَوْا مَدْرَسَةً فِي أُورُشَلِيمَ عَلَى حَسَبِ سُنَنِ الأُمَمِ. وَعَمِلُوا لَهُمْ غُلَفًا وَارْتَدُّوا عَنِ الْعَهْدِ الْمُقَدَّسِ وَمَازَجُوا الأُمَمَ وَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِصَنِيعِ الشَّرِّ" (١مك ١: ١٥، ١٦).
ويجب ملاحظة أن بولس الرسول يوجه حديثه لأولاده في غلاطية ومعظمهم من الأمم، أما كنيسة أورشليم حيث الغالبية العظمى من اليهود، فقد ظلوا يتممون الختان وينظرون إليه نظرة الاحترام اللائق والإجلال كعهد مع الله منذ أيام إبراهيم، ولم يستطيعوا التخلص من هذا إلا بعد مرور عشرات السنوات، وكاد الموضوع ينتهي بخراب أورشليم على يد تيطس سنة ٧٠م.
والحقيقة أن اليهود بالرغم من أنهم مارسوا الختان لكنهم أغفلوا المعاني الروحية المخفية وراء هذا الطقس، فقدمًا قال لهم موسى النبي: "فَاخْتَتِنُوا غُرْلَةَ قُلُوبِكُمْ وَلَا تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ بَعْدُ" (تث ١٠: ١٦)، وقال الرب لهم على لسان إرميا النبي: "اِخْتَتِنُوا لِلرَّبِّ وَانْزِعُوا غُرَلَ قُلُوبِكُمْ" (إر ٤: ٤) .. "هَا إِنَّ أَذْنَهُمْ غُلْفَاءُ فَلَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَصْغَوْا" (إر ٦: ١٠) .. "وَكُلُّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ غُلْفُ الْقُلُوبِ" (إر ٩: ٢٦)، وقال أسطيفانوس لليهود: "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ" (أع ٧: ٥١)، وقال بولس الرسول: "إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّيًا النَّامُوسَ فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً. إِذَا إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ أَفَمَا تُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَانًا" (رو ٢: ٢٥، ٢٦).
إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لَا يَنْفَعْكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا ..
أيها الغلاطيون لو اختتنتم بعد إيمانكم فمعنى هذا أنكم لا تثقون في كفاية الخلاص بدم المسيح، وبالتالي لن تستفيدوا شيئًا من فداء المسيح، وجاء تعبير معلمنا بولس: "لَا يَنْفَعْكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا" تعبيرًا صادمًا للغلاطيين إذ كيف يصبح الإله المتجسد غير نافع لهم إذا اعتقدوا أنهم بالختان والناموس يكملون