صفحة 346
٣٤٦
تفسير رسالة غلاطية
لَكِنْ أَشْهَدُ أَيْضاً لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُخْتَتَنٍ أَنَّهُ مُلْتَزِمٌ أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ النَّامُوسِ .. "لَكِنْ" علامة استدراك يكثر بولس الرسول من استخدامها، وقوله "أَشْهَدُ" تماثل ما يتلوه الشاهد عقب حلف اليمين أمام منصة القضاء، فكأن بولس الرسول يقف أمام القضاء الرسمي يدلي بشهادته، والشهادة أمر هام وخطير إذ تضع الإنسان تحت المسئولية الأدبية أمام ضميره وأمام الجميع، وقوله "أَشْهَدُ أَيْضاً" أقوى من قوله في الآية السابقة: "أَقُولُ لَكُمْ"، وقوله هنا يذكرنا بقوله في رسالته إلى أهل رومية: "أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ. لاَ أَكْذِبُ وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (رو ٩ : ١)، فبولس الرسول يتكلم بجدية كاملة وصدق لا حدود له. أما قوله أن كل إنسان مختتن ملتزم بكل الناموس فهذه حقيقة لأن الختان عهد واتفاقية، فكل من يوقع عليها بمحض إرادته عليه أن يلتزم بكل مطالب الناموس وإلا يسقط تحت لعنة الناموس: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ" (غل ٣ : ١٠) (راجع تث ٢٧ : ٢٦، ار ١١ : ٣)، وقال معلمنا يعقوب: "لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ فَقَدْ صَارَ مُجْرِماً فِي الْكُلِّ" (يع ٢ : ١٠)، فمن يلتزم بالختان فعليه الالتزام بحفظ السبت والأعياد والمواسم .. الخ.
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "فالذي استعبد نفسه تاركاً حرية المسيح يجب ألا يسلك فيما بعد كإنسان حر، بل كعبد ملتزم بكل قوانين الناموس .. والالتزامات القانونية مترابطة: فالختان يرتبط بالذبائح والمواسم، وهذه ترتبط بالمكان، والمكان يستوجب تطهيرات خاصة، وهذه تحتاج إلى حذر شديد في أمور كثيرة .. وهكذا يجرنا الناموس إلى أمور كثيرة بسبب الالتزام بوصية واحدة، فإن مارسنا جزءاً التزمنا بالكل" (١).
كما يقول "القديس يوحنا ذهبي الفم" أيضاً: "أجزاء الناموس مرتبطة ببعضها ببعض .. فبالنسبة (للناموس) إذا ما وضعت على عاتقك جزءاً صغيراً منه تخضع للنير كله وتجلب على نفسك سلطانه الكامل عليك .. فمثلاً: الختان مرتبط بالذبيحة وحفظ الأيام، والذبيحة أيضاً مرتبطة بحفظ الأيام والمكان وتتضمن تفاصيل خاصة بتطهيرات لا تنتهي تضم حشداً كاملاً من طقوس متنوعة ..
(۱) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٤٤