صفحة 348
تفسير رسالة غلاطية
حدث ذات يوم أن دخل عليّ إنسان معبس الوجه بدرجة أوجعت قلبي فبادرته: مالك يا فلان؟ فبادرني: مالي؟ أسأل عن خطاياي التي صارت كالجبال فوق ظهري. أنا لا أحسب خاطئاً وحسب بل أنا الخطية ذاتها، فقلت له مرحاً فأنت صرت المسيح نفسه لأن لا أحد قال هذا وكان هذا الفعل إلا المسيح الذي "صار خطية لأجلنا" (٢كو ٥ : ٢١). فعففني كيف أسخر منه وهل هذا وقت مداعبة، فجلست معه أحكي له ماذا عمل المسيح من أجل خطاياه وكيف حملها جميعاً كما ونوعاً وما من خطية عملها في الماضي أو سيعملها في المستقبل إلا والمسيح حملها في جسده على الصليب ودفع ثمنها جميعاً ألماً وصلباً وموتاً، وأصبحت لا وجود لها إلا في تصور الشيطان الذي استولى على نفسه ليدخله هذه الكآبة ليميته حياً. وقليلاً قليلاً انفرجت أساريره ولم أتركه إلا مبتسماً!! ..
وهكذا إن دخلت الخطية ومعها محاولة علاجها بالأعمال التكفيرية خرج المسيح.
أما إن كنا في عمق الخطية ودخل المسيح دخلت النعمة ومعها فرحة القيامة (١).
قَدْ تَبَطَّلْتُمْ عَنِ الْمَسِيحِ أَيُّهَا الَّذِينَ تَتَبَرَّرُونَ بِالنَّامُوسِ ..
يا من تريدون أن تتبرروا بالناموس قد فصلتم حياتكم عن المسيح لأنكم اتبعتم المعلمين الكذبة، وربطتم أنفسكم بأعمال الناموس، وتشككتم في عمل النعمة الكافي، فكل من يعتمد في تبرير نفسه على الناموس فإنه بصريح العبارة هو لا يؤمن بكفاية خلاص المسيح، ويظن أنه يحتاج بجوار إيمانه بالمسيح إلى الختان والناموس، أما نحن فقد تركنا أعمال الناموس عن اقتناع ورضى، مكتفين بالإيمان برب الناموس الذي يبررنا بعمل المسيح الكافي والشافي.
أَيُّهَا الَّذِينَ تَتَبَرَّرُونَ بِالنَّامُوسِ، سَقَطْتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ ..
إنهم يتجاهلون: "أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ .. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا" (غل ٢ : ١٦) ولو كان في الناموس الكفاية لخلاص الإنسان وتبريره فلماذا تجسد المسيح؟! .. إن النعمة والناموس لا يمكن أن يسيرا معاً، وبتعبير معلمنا بولس: "لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللَّهِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ" (غل ٢ : ٢١)، وتعبير "سَقَطْتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ" يؤدي نفس معنى التعبير السابق "قَدْ تَبَطَّلْتُمْ عَنِ الْمَسِيحِ"، فسقطتم
(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٣١٨، ٣١٩