صفحة 349
٣٤٩
الأصحاح الخامس
وتبطلتم يعطيان نفس المعنى، فقط استبدل بولس الرسول اسم "الْمَسِيحِ" بكلمة "النِّعْمَةِ"، فالمسيح هو نعمة الله الآب لنا، ولا توجد نعمة بعيداً عن السيد المسيح، وكل مَنْ يعتمد في تبريره على الناموس فإنه يفصل نفسه عن دائرة النعمة، وتصير النعمة عديمة الجدوى بالنسبة له، وبدون النعمة يستحيل على الإنسان أن ينال خلاصه، وفي رسالته للعبرانيين حذر بولس الرسول العبرانيين قائلاً لهم: "مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ انْزِعَاجًا فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ" (عب ١٢: ١٥).
قَدْ تَبَطَّلْتُمْ عَنِ الْمَسِيحِ .. سَقَطْتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ .. قبل أن نؤمن كنا محملين بدين ضخم وثقيل يستحيل علينا تسديده، فجاء ابن الله ورفع على خشبة العار وذبح على الصليب لكيما يوفي عنا هذا الدين الثقيل، وعندما آمنا به صرنا أغنياء في النعمة بل صار لنا: "غِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى" (أف ٣: ٨) .. فهل يرتد الإنسان إلى عبودية الناموس وتلك الأركان الضعيفة الفقيرة ويترك غنى نعمة المسيح؟!
وليس معنى هذا، أهل غلاطية قد فقدوا خلاصهم ولم يعد هناك أمل في نجاتهم وقد هلكوا هلاكاً مبيناً، لأنه لو كان هذا قصد معلمنا بولس فلماذا كتب لهم هذه الرسالة؟! وكيف يدعوهم تارة بأنهم إخوة وتارة أخرى بأنهم أولاده؟! .. ولكن هذه عبارات صادمة للغلاطيين لعلهم ينتبهون ويسرعون إلى خلاص أنفسهم، وأيضاً يجب التنبه بأن السقوط في الخطية لا يعني السقوط من النعمة ولا يعني الهلاك الأبدي، ونحن لا نوافق أصحاب تعليم السقوط النهائي الذين ينادون بأن على الإنسان لكيما يحافظ على خلاصه أن لا يسقط في الخطية بتاتاً، فبولس الرسول هنا لا يتحدث عن السقوط في الخطية، إنما يتحدث عن التبرير بالمسيح وليس بالختان، ولا يوجد إنسان لا يخطئ، وقال الكتاب: "لأَنَّ الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَعْثُرُونَ بِالشَّرِّ" (أم ٢٤: ١٦)، فبالرغم من سقوطه سبع مرات فإنه ما زال يُدعى صديقاً لأنه كل مرة يسقط فيها يقوم.
ويقول "دكتور وليم آدي": "وبولس لم يقصد أن يصرح بأن مؤمني غلاطية قد بلغوا هذا الحد من الارتداد أي حد السقوط من النعمة، بل أراد أن يوضح لهم ما ينتج بالضرورة عن قبولهم تعليم المفسدين والتسليم بوجوب حفظ الرسوم الموسوية. ولا يستلزم ذلك ظن