صفحة 360
تفسير رسالة غلاطية
فكان لتأثيرهم في أولئك الغلاطيين فعل سحري قوي صدهم عن السعي الحسن. ومال بهم إلى الارتداد للهلاك. لذلك بنفس متألمة وبقلب متواضع وبخوف شديد عليهم يكتب لهم قائلاً: "كُنْتُمْ تَسْعَوْنَ حَسَناً . فَمَنْ صَدَّكُمْ" (١).
هذه المُطَاوَعَة ليست مِنَ الَّذِي دَعَاكُمْ .. المطاوعة أي الإذعان للمتهودين والمعلمين الكذبة الذين نادوا بضرورة الختان لتمام الخلاص، فهذه الطاعة التي تقدمونها لهم ليست من الله الذي دعاكم للإيمان القويم من خلال إنجيلي، بل أنتم قد تحولتم من طاعة الحق لمطاوعة المبتدعين الذين سبوكم وسحروكم وأقنعوكم بأنه لا خلاص بدون الختان، وهذه العبارة حملت نفس المعنى الذي حملته بداية الرسالة عندما قال له: "إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعاً عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيلٍ آخَرَ" (غل ١: ٦).
والله الذي دعاكم هو دعى شعبه قديماً: "اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ لأَنِّي أَنَا اللَّهُ وَلَيْسَ آخَرَ" (إش ٤٥: ٢٢)، وهو الذي يدعو العالم كله: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت ١١: ٢٨).
خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ ..
١- معنى حسن:
مثلما شبه السيد المسيح له المجد انتشار ملكوت السموات بالخميرة: "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ" (مت ١٣: ٣٣)، فالخميرة حية ومن خصائصها النمو السريع، فهكذا ينتشر ملكوت الله على الأرض في سرعة، وأيضاً في هدوء بدون إزعاج ولا ضوضاء.
٢- معنى رديء:
فأشار الكتاب المقدس للشر على أنه خميرة، فأوصى الله شعبه عند تقديم الذبيحة قائلاً: "لاَ تُذْبَحْ عَلَى خَمِيرٍ دَمُ ذَبِيحَتِي" (خر ٣٤: ٢٥)، وفي عيد الفطير لم يكن مسموحاً لأحد بالاحتفاظ بالخميرة في بيته، حتى أن الرجل اليهودي كان يفتش البيت بمصباح لئلا يكون هناك خميرة مخبأة في أحد أركانه، فمنذ عيد الفصح يجب أن يتخلص الشعب كله من أي خميرة، وكان هذا تصرفاً صحيحاً، حيث يصنع الشعب بعد انقضاء عيد الفطير خميرة جديدة من مصادر طبيعية من عام إلى عام.
(١) شرح رسالة غلاطية ص ٤٦٤