صفحة 362
تفسير رسالة غلاطية
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "الرسول يخلط شكره لله بشكواه، وكأنه يقول لهم: أعرف استعدادكم للاستقامة، وعندي رجاء عظيم بسبب الرب الذي يعمل لخلاصكم وبسبب اهتمامكم السريع بتصحيح خطئكم، وفي الحديث تشجيع لهم ليقوموا بجهدهم الخاص لأن الرب لا يعيننا مالم نقم بواجبنا" (۱).
ولكنني أثق بكم في الرَّبِّ .. بعد أن قال لهم في الأصحاح السابق: "أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثًا" (غل ٤ : ١١)، وبعد أن قال لهم: "لأَنِّي مُتَحَيِّرٌ فِيكُمْ" (غل ٤ : ٢٠)، وإذ بلهجته تتغير فيفاجئهم بقوله: "وَلَكِنَّنِي أَثِقُ بِكُمْ"، فما الذي دعاه لهذا التحول العجيب؟!.. الحقيقة أن بولس الرسول نظر إلى أحوال أولاده المتعثرة فحدّثهم بلغة الخوف والحيرة، ولكن بعد أن علمهم وأرشدهم وثق في الرب أنه سيعيدهم إلى حالتهم الأولى. وتعبير "فِي الرَّبِّ" مساوٍ لتعبيره السابق "فِي الْمَسِيحِ" فالمسيح الرب هو مصدر ثقة.
بولس الرسول وليس الإنسان، فكاروز الأمم يثق في الغلاطيين في الرب، لأن الإنسان بطبيعته متقلب أما الله فليس عنده تغيير ولا ظل دوران، والإنسان قد يضعف ولا يستطيع أن ينفذ ما التزم به، أما الله فهو الذي يمنحه القوة والإرادة، ولهذا قال لأولاده في فيلبي: "وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُهُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (في ١ : ٦) وقال لأهل تسالونيكي: "وَنَثِقُ بِالرَّبِّ مِنْ جِهَتِكُمْ أَنَّكُمْ تَفْعَلُونَ مَا نُوصِيكُمْ بِهِ وَسَتَفْعَلُونَ أَيْضًا" (٢تس ٣ : ٤).
ولكنني أثق بكم في الرَّبِّ .. العلاقة في الخدمة ليست علاقة ثنائية بين خادم ومخدوم، ولكنها علاقة ثلاثية لأنها تعبر عن علاقة بين الخادم والمخدوم في حضور الرب، يضع الخادم مخدوميه بين يدي ملك المجد: "الرَّبِّ الْقَدِيرِ الْجَبَّارِ" (مز ٢٤ : ٨) القائل بفم نبيه إشعياء: "هَلْ تُسْلَبُ مِنَ الْجَبَّارِ غَنِيمَةٌ وَهَلْ يُفْلِتُ سَبْيُ الْمَنْصُورِ؟ فَإِنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ حَتَّى سَبْيُ الْجَبَّارِ يُسْلَبُ وَغَنِيمَةُ الْعَاتِي تُفْلَتُ. وَأَنَا أُخَاصِمُ مُخَاصِمَكِ وَأُخَلِّصُ أَوْلاَدَكِ" (إش ٤٩ : ٢٤ ، ٢٥)، وهو الذي قال عن خراقه: "وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي" (يو ١٠ : ٢٨)، فبولس الرسول يثق أن المعلمين الكذبة لن يقووا فيما بعد على خداعهم، لأنهم لم يعودوا: "فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ
(۱) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٤٥