صفحة 364
تفسير رسالة غلاطية
ويقول "الخوري بولس الغالي": "أما الذي يقلقكم: هي صيغة مفرد، وبولس يفكر في شخص محدد ويتجنب تسميته، إما لأنه شخص مرموق، وإما لأنه لا يستحق أن يُسمى. ولكن يبدو أن هذا "المقاوم" يدل على مجموعة تقدرها جماعة غلاطية. من سيحكم عليهم؟ ربما الكنيسة، بل دينونة الله الأخيرة وحكمه (رو ٢ : ٥، ٦، ١١، ٣٣)"(١).
ولكن الذي يُزعجكم سيحمل الدينونة أي من كان .. هؤلاء الذين يزعجونكم سيخضعون لدينونة الله العادلة "أَمَّا الَّذِينَ مِنْ خَارِجِ فَاللَّهُ يَدِينُهُمْ" (١كو ٥ : ١٣) .. "الَّذِينَ نِهَايَتُهُمْ تَكُونُ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ" (١كو ١١ : ١٥) .. ومن يستطيع الوقوف؟! هؤلاء الذين أزعجوكم وأعثروكم سينالون جزاء عملهم بحسب حكم الله العادل: "لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ. خَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحَى وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنْ يُعْثِرَ أَحَدَ هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ" (لو ١٧ : ١، ٢) .. وهذه الدينونة لن تكون أمام قاضٍ أرضي يعلم بعض الأمور وتُخفى عنه أمور أخرى، إنما ستكون أمام الله العالم بكل شيء، ففاحص القلوب والكلى، وعيناه تخترقان أستار الظلام .. سيقفون أمام الغضب الإلهي "لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ يَوْمُ غَضَبِهِ الْعَظِيمِ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ" (رؤ ٦ : ١٧) .. "لأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ" (رو ١ : ١٨)، فهؤلاء المتهودون الذين حجزوا الحق سيحملون الدينونة، وفعل "يحمل" المستخدم هنا في الأصل اليوناني هو نفس الفعل الذي استخدمه بطرس الرسول عندما قال: "فَالآنَ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ اللَّهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ التَّلاَمِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ" (أع ١٥ : ١٠)، فالمتهودون يريدون أن يحملوا الغلاطيين هذا النير الثقيل.
سيحمل الدينونة أي من كان .. فكل إنسان سينال المجازاة حسب أعماله خيراً كانت أم شراً، لن يستثنى أحد قط، ولن يعفى أحد قط: "وَمُلُوكُ الأَرْضِ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَغْنِيَاءُ وَالأُمَرَاءُ وَالأَقْوِيَاءُ وَكُلُّ عَبْدٍ وَكُلُّ حُرٍّ أَخْفَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَغَايِرِ وَفِي صُخُورِ الْجِبَالِ. وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ" (رؤ ٦ : ١٥، ١٦).
(١) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ١٨٩، ١٩٠