صفحة 370
- ۳۷۰
تفسير رسالة غلاطية
ابنًا" (غل ٤ : ٧)، كما أشار إلى أورشليم العليا الحرة: "فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا" (غل ٥ : ١)، وهنا يُلقي الضوء على دعوتنا للحرية، وقوله "إنما" هو تأكيد للدعوة، فالدعوة ثابتة وأكيدة، والدعوة للحرية في حقيقتها هي الدعوة للإنجيل، الدعوة للقداسة بنعمة المسيح: "لأَنَّ هَذِهِ هِيَ إِرَادَةُ اللَّهِ قَدَاسَتُكُمْ. أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الزِّنَا .. لأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَدْعُنَا لِلنَّجَاسَةِ بَلْ فِي الْقَدَاسَةِ" (اتس ٤ : ٣، ٧). في ظل الناموس كان على الإنسان أن يعيش القداسة بقوة القانون لأن كل من يزني يُرجم، أما في ظل الإيمان بالمسيح فقد صارت القداسة هي إرادة الله التي يقبلها الإنسان، ودعوة الله للقداسة مؤيدة بقوة إلهية تساعد الإنسان على الحياة المقدسة، فبعد أن كان الناموس يطالب الإنسان بحياة القداسة دون أن يمنحه قوة ليحيا فيها فشل الإنسان في هذا، جاء المسيح يدعو الإنسان لحياة القداسة من خلال الإتحاد به، فصارت حياة القداسة سهلة وحلوة.
ويقول "الأب متى المسكين": "فَالْمَسِيحُ وَهَبَنَا الْقَدَاسَةَ هِبَةً، وَأَعْطَانَا الْحُرِّيَّةَ عَلَى أَسَاسٍ رُوحِيٍّ فَائِقٍ، وَيَكْفِي مِنْ جِهَةِ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ إِرَادَةُ اللَّهِ هِيَ قَدَاسَتُنَا". ومن جهتنا يكفي أن نؤمن أن قداساتنا هي إرادة الله لتصبح هي إرادتنا. لذلك إذا انعكست الحرية في المسيح واستخدمت ستارًا لإشباع شهوات الجسد ورغباته كانت الخسارة فوق ما يتصوّر الإنسان (۱).
فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. غَيْرَ أَنَّهُ لاَ تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ .. هذه الحرية التي دُعيتم إليها هي حرية مسئولة بعيدة تمامًا عن التسيب والإباحية، ليست حرية لارتكاب المعاصي إنما حرية لأعمال المحبة، ليست حرية نابعة من الطبيعة القديمة الساقطة، إنما نابعة من الطبيعة الجديدة والنوايا الحسنة .. مفهوم الحرية المسيحية ليس فعل كل ما يحلو لنا خيرًا كان أم شرًا، إنما فعل ما يتوافق وروح الإنجيل، ليست هي الحياة بحسب الجسد وشهواته وأهوائه، وليست هي التحرر من المبادئ ووصايا الكتاب، بل هي الحياة الإنجيلية المنطبقة: "الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ" (غل ٥ : ٢٤) أما الذين انغمسوا في الشهوات الجسدية تحت شعار الحرية، فقد صاروا عبيدًا وليسوا بأحرار: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ
(۱) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ۳۳۲