صفحة 372
www.christianlib.com
تفسير رسالة غلاطية
٣٧٢
والحرية من عقوبة الخطية لأن السيد المسيح له المجد حمل عنا عقوبة خطايانا، والحرية من عبودية الناموس ولعنته لأن المسيح افتدانا من عبودية الناموس .. الخ.
بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً .. بعد أن تحدث عن المفهوم السلبي للحرية إذ صيرها البعض فرصة للجسد، بدأ يتحدث معلمنا بولس عن المفهوم الإيجابي للحرية وهو خدمة الآخرين، وبعد أن تحدث عن الإيمان العامل بالمحبة (غل ٥ : ٦) يتحدث هنا عن خدمة الآخرين بدافع المحبة، فالخدمة الحقيقية ليس لها دافع إلا محبة الله، والخدمة ليس لها هدف سوى تمجيد اسم الله، وقد نقد بولس الرسول هذه الوصية وقطع فيها شوطاً طويلاً حتى أنه لم يخدم الآخرين فقط، إنما استعبد نفسه للآخرين، فصار تحت إمرة الله، فماذا يقول؟ .. يقول: "فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرّاً مِنْ الْجَمِيعِ اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ" (اكو ٩ : ١٩)، فبولس الرسول يوصينا بدلاً من الخضوع لعبودية الناموس أن نخضع لعبودية المحبة، فكل منا يشعر بإلزام المحبة تجاه إخوته، وكلمة "اخْدِمُوا" في هذه الآية في الأصل اليوناني جاءت بمعنى "عبودية" أي بالمحبة استعبدوا أنفسكم بعضكم لبعض، وعبودية المحبة هذه هي كمال حريتنا في المسيح، وعبيد المحبة هم الذين يملكون زمام أنفسهم ويتمتعون بكامل حريتهم، وعبودية المحبة هي التي تحفظنا من الانزلاق في الإباحية والتسيب، وعبودية المحبة لا تصيرنا أسياداً نسيطر على الآخرين، بل أن نخدمهم كإخوة، كقول بولس الرسول في نفس الآية: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ"، وقد رأى بولس الرسول أن حمل أثقال الآخرين والتخفيف عنهم هو تتميم لناموس المسيح الذي قال عن نفسه: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت ٢٠ : ٢٨) وقال لتلاميذه: "فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ" (يو ١٣ : ١٤) وأوصى بولس الرسول أولاده في غلاطية أن يحملوا أثقال بعضهم البعض: "احْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ وَهَكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ" (غل ٦ : ٢)، فعندما تجتمع الحرية مع المحبة نستطيع أن نخدم الآخرين بمحبة، بينما الحرية الخالية من المحبة توقعنا في نقد الآخرين وبغضتهم.
ويقول "أ. ت. بيرسون" A. T. Pierson : "الحرية الحقيقية موجودة في إطاعة القيود الصحيحة، فالنهر يتمتع بحرية الجريان بين الضفاف فقط، وبغير هذه الضفاف قد يتحول