صفحة 377
الأَصْحَاحُ الْخَامِسُ
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقَانِ، أَوَّلُهُمَا: طَرِيقُ الْمَحَبَّةِ وَبِالْمَحَبَّةِ نَخْدِمُ بَعْضَنَا بَعْضاً، وَثَانِيهِمَا: طَرِيقٌ تَخْتَفِي فِيهِ الْمَحَبَّةُ فَتَنْتَشِرُ فِيهِ الْكَرَاهِيَةُ وَالْبَغْضَةُ وَالْخِصَامُ وَالتَّحَزُّبُ وَالانْشِقَاقَاتُ وَالْبِدَعُ وَمِثْلُ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي سَيَذْكُرُهَا بَعْدَ قَلِيلٍ بُولُسُ الرَّسُولُ تَحْتَ عُنْوَانِ "أَعْمَالِ الْجَسَدِ" وَمِثْلُ هَذَا الْمُجْتَمَعِ يَنْهَشُ فِيهِ بَعْضُهُمْ الْبَعْضَ، فَيَنْهَارُ الْمَعْبَدُ عَلَى رَأْسِ الْجَمِيعِ، وَقَدْ رَأَيْنَا مِثْلَ هَذِهِ الصُّوَرِ الْبَغِيضَةِ عَبْرَ التَّارِيخِ، فَسُفِكَتْ دِمَاءُ الآلافِ مِنَ الْمَسِيحِيِّينَ بِيَدِ مَسِيحِيِّينَ آخَرِينَ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَايَشِ النَّاسُ مَعاً رَغْمَ اخْتِلافِ أَجْنَاسِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَدِيَانَاتِهِمْ وَثَقَافَاتِهِمْ .. الْخِ فَإِنَّ هَذَا يَعْنِي التَّطَاحُنَ حَتَّى الْفَنَاءِ لأَنَّ: "كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخَرَّبُ وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لَا يَثْبُتُ" (مت ١٢: ٢٥)
وَقَالَ بُولُسُ الرَّسُولُ لأَوْلادِهِ فِي فِيلِبِّي: "فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْراً وَاحِداً وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئاً وَاحِداً. لَا شَيْئاً بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ بَلْ بِتَوَاضُعٍ" (فِي ٢: ٢، ٣)، وَيَقُولُ "وَلِيمْ بَارْكِلِي": "وَيَخْتِمُ بُولُسُ كَلامَهُ بِنَصِيحَةٍ جَادَّةٍ فَيَقُولُ: لِمَاذَا تَجِدُوا حَلاً لِمُشْكِلَةِ الْحَيَاةِ مَعاً، فَإِنَّكُمْ سَتَجْعَلُونَ الْحَيَاةَ نَفْسَهَا مُسْتَحِيلَةً تَمَاماً، فَالأنَانِيَّةُ لاَ تُعَظِّمُ الإِنْسَانَ وَلَكِنَّهَا تُحَطِّمُهُ" (١).
فَانْظُرُوا لِئَلَّا تَفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً .. قَوْلُ بُولُسَ الرَّسُولِ: "فَانْظُرُوا" يَلْفِتُ نَظَرَ أَوْلادِهِ لِلْعَوَاقِبِ الْوَخِيمَةِ الَّتِي قَدْ تَحِلُّ بِهِمْ نَتِيجَةَ هَذِهِ الْخِلافَاتِ، وَيَبْدُو أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ تَيَّارَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَتَيَّارٌ يُشَايِعُ حَرَكَةَ الْيَهُودِ وَيُهَاجِمُ بُولُسَ الرَّسُولَ، وَتَيَّارٌ يَتَمَسَّكُ بِالتَّعْلِيمِ وَالإِيمَانِ الَّذِي سَلَّمَ لَهُمْ، وَهَذَا يُشَايِعُ بُولُسَ الرَّسُولَ، وَتَيَّارٌ ثَالِثٌ يَظُنُّ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ هِيَ انْطِلاقَةٌ لِلأَهْوَاءِ الشَّخْصِيَّةِ، وَلاَ سِيَّمَا أَنَّ الْغَلاَطِيِّينَ مِنْ أَصْلٍ أُمَمِيٍّ امْتَزَجَتْ عِبَادَاتُهُمُ الْوَثَنِيَّةُ بِالْعَهْرِ الْمُقَدَّسِ وَالْقَبَائِحِ الَّتِي كَانَتْ تَرْتَكِبُهَا كَاهِنَاتُ الْمَعَابِدِ كَنَوْعٍ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَكُلُّ هَذَا دَعَى رَسُولَ الأُمَمِ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ هَذِهِ النَّصِيحَةَ.
ثَالِثاً: أَعْمَالُ الْجَسَدِ وَثِمَارُ الرُّوحِ (غَل ٥: ١٦-٢٦):
"وَإِنَّمَا أَقُولُ اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. لِأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحَ ضِدَّ الْجَسَدِ. وَهَذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَتَّى تَفْعَلُوا مَا لَا تُرِيدُونَ. وَلَكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ
(٢) تَفْسِيرُ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ - رِسَالَتَا غَلاَطِيَّةَ وَأَفَسُسَ ص ٧٧