صفحة 381
الأصحاح الخامس
— ٣٨١ —
ويقول "الأب متى المسكين": "فكأن بولس الرسول يعطيهم وعداً من خبرته والنعمة التي فيه أنهم إذا انقادوا للروح وسلكوا بمشورته وأعطوه الأولوية في الطاعة فإن الروح هو الذي سيقوي إرادتهم حتى أنه سيجعلهم لا يكملون شهوة الجسد، لأن هذا هو وعد المسيح: "فَإِنْ حَرَّرَكُمُ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو ٨ : ٣٦). أحراراً هنا ليس من الناموس وحسب بل من الخطية وسلطان الجسد.
كان اليهود والربيون والحكماء مثل فيلو الحكيم اليهودي يعتقدون أن ختانة الجسد تسلح الإنسان اليهودي ضد النجاسة والشهوة والزنا، ولكن كانت هذه أوهام وتمنيات لم تتحقق، فهنا ق. بولس يرد على ادعاء اليهود الذين كانوا يعدونهم أن بالختانة تحفظ طهارتهم فلا ينحرف الجسد للنجاسة والزنا. ق. بولس هنا يعطيهم الطريق الصحيح والوحيد وهو طريق الإيمان بالإنجيل والسلوك بالروح، أي أن يعيشوا متمسكين بالروح القدس ومنقادين بنعمته، فهذا هو وحده الذي يجعلهم لا ينقادون لشهوة الجسد ..
فيا قارئي المتألم من الجسد وشهواته لا خلاص إلا بالنعمة، وأعلم تمام العلم أن خطاياك السالفة والآتية جميعها حملها المسيح في جسده على الخشبة، فلا وجود لها عند الله ولكن في ضميرك أنت الذي يغريه الشيطان بالأوهام ليضغط عليك اليأس، فهذه الأوهام لا يكشفها إلا الروح القدس بنعمته فيرفع المسيح عنك بدمه ضمير الخطايا (عب ٩ : ١٤) فأنت ليس عليك خطية عند المسيح بل لك عند المسيح نعمة"(١).
لأنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ وَهَذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ .. في الكتاب المقدس نلتقي بمفهومين للجسد:
المفهوم الأول: الجسد بمعناه المجرد (الجسم)،
وهذا عطية من الله، وهو الذي يحمل الروح، وهذا الجسد لا يمثل خطية ولا شر كقول ماني وأتباعه الذين نظروا للمادة على أنها شر، ولو كان الجسد شراً ما كان الله يتحد به في تجسده: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الْآبِ مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يو ١ : ١٤)، وعلى الإنسان أن
(۱) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٣٤١، ٣٤٢