صفحة 382
تفسير رسالة غلاطية
يهتم بجسده، يقوته ويربيه: "فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ" (أف ٥: ٢٩)، ونحن نكرم أجساد الشهداء والقديسين ونتبارك بها، وكثيرًا ما يجري الله آيات ومعجزات وعجائب بواسطة هذه الأجساد، فجسد يشوع بن نون بعد موته أقام ميتًا، ولا ننسى أن الجسد سيشارك الروح في المكافأة في اليوم الأخير.
المفهوم الثاني:
الجسد بمعنى الشهوات الجسدية، وبهذا المفهوم قال بولس الرسول: "فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ الزِّنَا النَّجَاسَةَ الْهَوَى الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ" (كو 3: ٥) .. "وَيُحْيَ أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ" (رو ٧: ٢٤).
وقد شرح "القديس يوحنا ذهبي الفم" هذا الأمر قائلاً: "يتصور البعض أن الرسول ينادي بثنائية وتناقض في تكوين الإنسان، ولكن كلمة "الجسد" هنا لا تعني الجسد، بدليل قوله: "يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ"، مع أن الأعضاء لا تشتَهي بل تخضع لتأثير الشهوة، والشهوة - في الواقع - تخص الروح كقول المرنم: "تَشْتَاقُ نَفْسِي" (مز ٨٤: ٢)، "مَهْمَا تَقُلْ نَفْسُكَ أَفْعَلْهُ لَكَ" (صم ٢٠: ٤)، "سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ" (ابط ٣: ٣)، "تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللَّهُ" (مز ٤٢: ١). إذا فالرسول يقصد بالجسد الإرادة المنحرفة، إذ يقول: "أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ" (رو ٨: ٩)، "فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللَّهَ" (رو ٨: ٨). الجسد هو الذهن الأرضي الفاسد والمستهتر، والكلام هنا ليس ضد الجسد بل ضد الروح المنحرفة، فالجسم آلة في يد الروح ونحن لا نغضب من السلاح بل ممن أساء استخدامه في القتل.
وقد يفترض البعض أن مجرد تسمية انحرافات الروح بالجسد إتهام للجسم، وبالحقيقة الجسم أقل من الروح ولكنه خير أيضاً، والشر لا ينشأ من الجسد بل من "الإرادة المنحرفة". كلمة (الجسد) أستعملت لوصف أمور كثيرة مقدسة، فعندنا "جسد المسيح" في سر التناول، و"جسد المسيح السري الذي هو الكنيسة" (كو ١: ٢٤)، كما أن حواس الإنسان مفيدة جداً لحياته الروحية إذ يقول الرسول: "لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ" (رو ١: ٢٠)، فكيف نرى بلا أعين؟ وإن كان "الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ" (رو ١٠: ١٧) فكيف نسمع بلا أذن؟ وإن كانت الكرازة بالكلام والأقدام فكيف تتم بلا جسد؟