صفحة 384
تفسير رسالة غلاطية
الكائن في أعضائي هو شهوة الجسد، وشتان بين السالك بحسب الجسد والسالك بحسب الروح:
١- السالك بحسب الجسد يتدنّى للمستوى الحيواني، أما السالك بحسب الروح فإنه يسمو ويترفع فوق الغرائز البهيمية، فيضبطها ويسيطر عليها وهي لا تسيطر عليه .. الإنسان السالك بحسب الروح أشبه بحمامة نوح الحاملة بشرى السلام، أما السالك بحسب الجسد فهو أشبه بالغراب الذي تجذبه الجيف الطافية فوق وجه المياه .. الإنسان السالك بالروح أشبه بالحمل الذي لا يطيق السقوط في الطين، أما السالك بحسب الجسد فهو أشبه بعودة "خِنْزِيرَةٍ مُغْتَسِلَةٍ إِلَى مَرَاغَةِ الْحَمْأَةِ" (٢ بط ٢ : ٢٢)، والروح الأمينة التي تخضع للروح القدس يهبها الروح نعمة وقوة فيخضع لها الجسد، فلا تعد ثمة صراع بين الجسد والروح، ويصير شعار الإنسان: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في ٤ : ١٣).
٢- السالك حسب الجسد يسلك في طريق الموت ومعاداة الله، أما السالك بحسب الروح فإنه يسلك في طريق الحياة والسلام: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ وَلَكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلامٌ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ لِلَّهِ .. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللَّهَ" (رو ٨ : ٦ - ٨).
٣- السالك حسب الجسد يتقسى قلبه بالشهوات ويفقد نصيبه في الميراث السمائي: "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللَّهِ وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ" (١كو ١٥ : ٥٠)، أما السالك بحسب الروح فإنه يكون موضع سرور الله والملائكة ويتمتع بالميراث السمائي ويحصل على الجسد الممجد النوراني: "الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في ٣ : ٢١).
وهذان يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ .. الجسد له ميوله الجسدية الترابية، والروح لها ميولها ورغباتها السامية السمائية، وكل منهما يقاوم الآخر ويتصارع معه محاولاً تنفيذ مشيئته ورغباته، فمتى أراد الإنسان أن يعيش حياة الطهارة والتقوى والصلاح فإن الجسد يقف مقابله يقاومه، ومتى أراد الإنسان أن يعيش حياة إباحية متسيبة، فإن الروح تحتد داخله ولا تهدأ حتى يعود الإنسان إلى حياة الصواب .. حقاً أن كل من الجسد والروح له رغباته وشهواته