انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com
٣٨٦

تفسير رسالة غلاطية

البشرية المهذبة بالنعمة هنا للإنسان المسيحي هو المعوّل عليها إلى أقصى حد، وهي التي ستعطي الإنسان إما الانحياز للجسد فالسقوط والدينونة وإما الانحياز للروح فالانتصار والتبرير! فبدون إرادة الإنسان الواعية والمهذبة بالإنجيل لا ينجح الروح وحده في مقاومة جذب الجسد مهما صرخ الإنسان، وذلك حتى لا يجرح الروح حرية الإنسان التي سيُجازى بمقتضاها عن السقوط أو الانتصار ..

فالروح يقول: لا تزن، والجسد يرى أن الزنا متعة ولذة لذلك يصبح الروح والإنجيل مكروهاً لدى الجسد الطبيعي .. فالجسد بجهالته يجري وراء متعة ولذة وقتية ويتمادى فيها بلا ضابط حتى يؤذي نفسه ويخسر ما ينتظر الإنسان من حياة أبدية أعظم سعادة وامتدادها إلى الأبد"(۱).

وَلَكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ

والذي ينقاد بالروح القدس غير الذي ينقاد بالروح البشرية مهما بلغت أمانتها .. لماذا؟ .. لأن الروح البشرية تخضع للضعف البشري، وتغشاها المشاعر الإنسانية، وهذه قد تكون صالحة أو طالحة، أما الذي ينقاد بالروح القدس فهو يخضع لقيادة روحية حكيمة، ولا يمكن للروح القدس أن يخطئ لأنه هو روح الله القدوس الذي يكتب وصايا الله على قلوبنا: "وَيَشْهَدُ لَنَا الرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضاً .. بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ يَقُولُ الرَّبُّ أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي قُلُوبِهِمْ وَأَكْتُبُهَا فِي أَذْهَانِهِمْ" (عب ١٠: ١٥، ١٦)، والذي يسلك تحت قيادة وإرشاد الروح القدس لا يخضع لناموس الخطية، بل يتمتع بالبنوة لله: "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ" (رو ٨: ١٤)، ومن يخضع لقيادة الروح القدس تستيقظ فيه الشهوات الحسنة، وتنطفئ داخله نيران الشهوات الجسدية، ومن يخضع لقيادة الروح القدس يتمتع بحس روحي مرهف ويسهل عليه التمييز بين الخير والشر، وأيضاً بين الأمور المختلطة، وما أجمل قول الكتاب عن السيد المسيح أنه: "كَانَ يَنْقَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ" (لو ٤: ١)، أما الإنسان الجاهل فلا يقبل قيادة الروح القدس له: "وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللَّهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ" (١كو ٢: ١٤). وما يجب ملاحظته أن

هناك فرق بين الانقياد وبين الانسياق، فالانقياد عن وعي وعن اختيار، أما الانسياق فهو عن جهل وعن قسر، مثلما يُساق الأسرى أمام الجنود، أو تُساق الإبل أمام أصحابها.

(۱) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل رومية ص ٣٤٩، ٣٥٠.